المطلوب الآن وتلك دعوة اغتيال العقل الكبرى - ليس إصلاح النظام القومي، بل التفكير من جديد بهذه الأزمة التاريخية ودراسة الردود التي قدمناها في أكثر من قرن. إن المناخ الآن مؤهل لهذه المسالة، فالمجتمع العربي اليوم يشهد"أكبر مراجعة فكرية تبرز في الج رأة على طرح موضوعات جديدة، أو العودة إلى طرح المسائل الكبرى التي طرحناها على أنفسنا في عهد النهضة الأول، وتعبر عن حاجة الفكر إلى أن يعيد فحص مفاهيمه كخطوة أولى على طريق"إعادة تأسيس نفسه گفکر فاعل وإيجابي.
واغتيال العقل في هذا السياق هو مشروع الدكتور برهان غليون في عملية الفحص وإعادة التأسيس والمراجعة، التي يدعو إليها الفكر العربي الراهن، دعوة حارة.
على أن هذا الكتاب، گوحدة، هو بداية مشاركة كبيرة، يميز فيها الباحث بين ثلاث مسائل رئيسية هي: المسالة الثقافية والمسألة السياسية ثم المسألة الاجتماعية، ومشروع الباحث يبدا بالمسألة الثقافية، التي يجسدها"اغتيال العقل، وهو يفسر الابتداء بالمسألة الثقافية بسببين"
الأول هو أن مسألة الثقافة والصراع على تقدير مكانة الثقافة العربية في النهضة، كانت وما تزال ميدان النقاش الرئيسي بين المثقفين العرب حول مشاكل النهوض والتقدم.
والثاني هو أن العقل يستطيع أن يطل من الثقافة، باعتبارها مجموعة القيم العامة التي تلهم سلوك الجماعة وممارستها الفكرية والسياسية والاقتصادية، على مجمل البنية الاجتماعية.
كانت هذه هي الملامح العامة للأرضية النظرية التي قدمها الدكتور غليون في مقدمته"ازمة التقدم العربي"والتي سوف ينطلق منها في صلب بحثه المستفيض، مستهديا بها في إعادة فحص أسئلة وإجابات النهضة العربية الأولى والمرتقبة
ونظرا لهذه الأهمية البالغة التي يحتازها هذا المنطلق النظري، فإنه ينبغي علينا منذ البدء- أن نتوقف برهة قصيرة، تسوق فيها ملاحظة ضرورية على تفسير الباحث الابتداء بالمسألة الثقافية دون المسالتين الأخريين
مؤدي هذه الملاحظة هو الخشية من أن يصل تقدير المسألة الثقافية إلى حدود تفسير الاجتماعي بالثقافي فتنقلب بذلك الصلة الصحيحة بين المسألتين.
صحيح أن الصراع الثقافي كان هو الصراع الأكثر بروزا في حوار المثقفين العرب، لكنه لم يكن كذلك، لذاته، بل كان كذلك لأنه كان دائما- بمثابة الكناية عن ما يعبر عنه من صراع اجتماعي
إن تفسير"الثقافي بالاجتماعي"- لا العكس، كما بشي منظور الدكتور غليون- يعصمنا من مثل هذه المقولة المقلوية التي انطلق منها، ليرى أن الثقافة هي التي تلهم سلوك الجماعة وممارستها السياسية والاقتصادية.
والواقع أن هذا المنظور الفوقي سيطل برأسه الفينة بعد الفينة، في مناطق عدة من بحث الدكتور غليون.