الصفحة 136 من 180

يبدا الدكتور غليون تحليله التشريحي لمنهج التفكير العربي الحديث، فيرى أن المشكلة الأساسية للثقافة العربية أصبحت هي التناقض بين الحداثة والتقليد، بين المعاصرة والأصالة

ضمن هذا التناقض تعددت المواقف والآراء واختلطت التحليلات، بين من ينكر على الثقافة العربية احتواءها على قيم التقدم والتغيير، ومن يؤكد فيها على عناصر هذا التقدم، وبين من يدعو إلى تجاوزها وإقصائها عن موقعها الاجتماعي المتميز، ومن يطالب بإحيائها وتدعيم مركزها ضمن الجماعة القومية، بين من يرفضها كقاعدة للتقدم، ومن يقبلها كأساس له

وقد اتخذ هذا الحوار الصراع مراحل وصورا عديدة، كان أهمها في نهاية القرن الماضي، حينما صارت صراعا حادا بين السلمية الإسلامية والعلموية التطورية الأجتماعية (جمال الدين الأفغاني علي احمد خان، محمد عبده، فرح انطون، شكيب أرسلان، محمد كرد علي، لطفي السيد، وشبل شميل وسلامة موسي وطه حسين) .

كان هذا الصراع بجسد الانجذاب بين قطبين: رفض الغرب لتأكيد الذات، ورفض الذات لتاكيد الحضارة والإيمان بها والاندماج فيها.

ينطلق الثاني من الاعتقاد بعالمية الحضارة، ويرى أن تأخر العرب كامن في تمسكهم بثقافتهم والقيم النابعة منها، وينطلق الأول من الإيمان بأن الحضارة الراهنة هي حضارة غربية محضة، وأن تعميمها لا يحمل في ذاته إلا مصادرة تاريخ الشعوب الأخرى وقتل ثقافتها وإزالتها من الوجود.

إن خطورة هذا الصراع، فيما يرى الباحث، تأتي من أنه يكاد أن يشق المجتمع العربي إلى فريقين بل أن يشق الوعي العربي ذاته على نفسه ويدخله في صراع ذاتي دائم، يمنعه من اية حركة إيجابية ويغلق عليه كل آفاق التغيير.

على أن السؤال الذي يطرح نفسه في مواجهة الباحث هنا: هل هذا الصراع حقا، صراع ذاتية

اليس تعبيرا عن تيارين اجتماعيين واضحين: تيار الدعوة للتغيير والتقدم على ما بشوب بعض من تطرف)، وتيارالثبات والجمود (على ما في بعضه من أصالة؟

في هذا الضوء، لن نجد أن هذا الانقسام سمة يختص بها مجتمعنا وحده إذ هي سمة من سمات المجتمعات الطبقية، التي تدعو إحدى الطبقات فيه إلى واقع اجتماعي وأيديولوجي ثابت جامد المصلحتها، بينما تدعو الطبقة الأخرى فيه، إلى التغير الاجتماعي والأيديولوجي لمصلحتها، كذلك.

ولقد كانت هذه الثنائية موجودة، قبل"النهضة الأولى"بزمان بعيد، أيام نهضة الحضارة الإسلامية المبكرة، حيث تصارع أيضا، هذان التياران الاجتماعيان الثقافيان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت