ما يرصده الدكتور غليون على طبيعة الصراع في النهضة الأولى، الحديثة، هو ما يجده -كذلكبصبغ الجهود الراهنة، إذ ما تزال هذه الجهود الحالية غير قادرة على الخروج من آلية المعارضة المستمرة بين القديم والحديث، وكثيرا ما تقوم هذه الجهود على المقارنة الشكلية بين قيم الثقافة العربية وقيم الثقافة الغربية لإثبات تفوق هذه أو تلك.
إن العقل الذي يناقش هذه الأزمة، بالطريقة التي سأفت، هو عقل سجالي - كما يصفه الباحث هدفه تاكيد المواقف وتثبيتها، متوسلا بحجب المسائل الحقيقية وتضييع جوهرها، بما يؤدي في النهاية إلى إفراغ الممارسة النظرية من محتواها العملي وابعاد الرأي العام عنها. إن هذا العقل السجالي التغييبي هو، نفسه، مظهر رئيسي لأزمة الفكر العربي
ما صفات هذا العقل السجالي؟
إنه يقوم على عناصر وأليات أربعة هي: الاختلاط المنهجي، والسكولستكية (انغلاق العقل داخل اطروحات وقضايا تبلورت في وضعية وحقبة معينتين، وتخضع تحليل الواقع إلى تحليل الأنظمة الشكلية والسورية للفكر، وتنتهي إلى قياس الواقع العملي على الواقع النظري) ، والرؤية التجزيئية والتهرب من المسئولية (أبرز مثال لها عند الباحث أن الفكر العربي اليساري لم تحصل له مراجعة نظرية جديدة حتى الآن) .
في مقابل هذا المثل السجالي، يطرح الدكتور غليون"منهج النقد الموضوعي"، وهو المنهج الذي يتصف بالخروج من الثعمية إلى التمييز، وبالمناظرة العلمية التي يقتضي المنهج السليم أيها الأعتراف باستقلال الموضوع عن الفكر وقيامه بذاته، وبان للموضوع عقلانيته أو منطقه الخاص، وأن له قوانين تحدد وجوده بمعزل عنا، هي القوانين الموضوعية.
ان هذا المنهج الموضوعي، سيكون واضح القصد، منالبا للأهواء ومن ثم قادرا على الوصول بنا إلى نتائج حقيقية ودافعة.
في معالجة أزمن النكسة: في التجاوز الحضاري وإشكالية التغيير الثقافي يقدم الدكتور غليون تحليلا مطولا لعلاقة الثقافة بالمجتمع، ويقدم نقدا للنظرات الفكرية التي تحلل الثقافة، سواء تلك التي تجعلها رديفا لتبدل الوعي الأيديولوجي، أو تلك التي تضفي عليها طابعا ماهويا وجوهريا بمنع الباحث من إدراك تحولاتها ويحرمه من إمكانية فهم تطور المجتمع نفسه
فالنظرة الأولى: تلفي کل استقلال ذاتي وقوامية متميزة للثقافة، وتحولها إلى عدد لا متناه من الرؤى والأفكار والتيارات، والنظرة الثانية: تلحق زمانيتها بزمانية الواقع المادي وتحرمها من كل ديناميكية خاصة وذاتية لتطورها
وكلتاهما تعني تقليص الثقافة إلى مظهرها الذاتي البحت.