ويعرض الدكتور غليون، من ثم، لجدل الثقافة والحضارة ليرى أنه من الضروري التمييز بينهما حيث ان كل فنانة ليست مؤهلة ذاتيا وموضوعيا لكي تكون ثقافة الحضارة، أي الثقافة التي تستقطب الإبداعات والمكتشفات الفعلية والتقنية للبشرية، ومن هنا، فهو يقدر أنه"لا تتخلى جماعة من لقافتها او تمايزها الثقافي مهما كانت درجة هذه الثقافة من الضعف، إلا إذا قررت الانتحار الذاتي والاندماج في غيرها من الجماعات"
في ضوء هذه النظرة النقدية فإن الباحث يرى أن مشاكل الثقافات التابعة اليوم، لا تنبع كما هو شائع في ادبيات العالم الثالث عموما، وفي الغرب أيضا من كونها ما زالت ثقافات تقليدية تفتقد النواة العقلانية وتلمسلك بقيم الماضي اللاهوتية والميتافيزيقية، بل إن هذا الطابع التقليدي الذي يميزها ليس في الواقع سوى ثمرة مصادرة التطور لديها وحرمانها من مكانتها ودورها في المجتمع، وفرض التراجع والتقوقع عليها.
وعلى ذلك، فإن كلا الطرفين المتضادين في صراع فكر النهضة السابقة أو الراهنة هو موقف خاطئ، انطلاقا من أن تحول الدين إلى أيديولوجية معاصرة ما هو في الواقع إلا الوجه الثاني التحول المعاصرة إلى أيديولوجية دينية، أي تقليدية ومحافظة.
أن الباحث يرفض الموقفين جمعيا: تحول الدين إلى أيديولوجية معاصرة. وتحول المعاصرة إلى أيديولوجية دينية
من هذه الزاوية، ينتقد الدكتور غليون"السلفية بانيا نقده على أساس نظري هو أن للمدنية الحقة بعدا"ذاتيا"هو الثقافة الراسخة والمستمرة والمعبرة عن هوية الجماعة، أي المعبرة عن تطابق صورتها لنفسها مع واقعها، وبعدا"موضوعيا"هو مسايرة نظم الجماعة القائمة مع نظم الحضارة المجسدة للتاريخية والراهنية."
في المجتمعات التي فقدت مدنيتها، تتفاوت الثقافة مع الحضارة ويتعارض مطلب الهوية او الذاتية مع مطلب المعاصرة أو الحضارة، أي تعجز عن التوفيق بين قيم الثقافة المحلية وقيم الحضارة الصاعدة.
بميل الصراع إلى أحد البعدين للمدنية الحقة، إما إلى البعد الذاتي"، وإما إلى البعد الموضوعي."
بعد صعود الحضارة الغربية، كان عندنا موقفان: الأول يرى أن العودة للأصول المحلية وإحياها هو المصدر الوحيد الممكن لإحداث مطابقة جديدة بين الثقافة المحلية وبين الحضارة، والثاني يرى أن تبني قيم الحضارة السائدة واستيعاب ثقافتها هو المصدر الأساسي لمثل هذه المطابقة المطلوبة، واصاس إحياء المدنية المهددة
يخلص الدكتور غليون، من هذا الأساس النظري، إلى صياغة جملة من الحقائق تمثل بلورة لنقده للسلفية العربية
-أن الحداثة، هي النتيجة المباشرة لفقدان الثقافة العربية تدريجيا تحكمها بالواقع وبسلوك