الصفحة 142 من 180

الناس والجماعات وأفعالهم

ب- أن نزوع الجماعات التي بقيت بمعزل عن التجديدات الحضارية الكبرى، إلى مطابقة نماذج حياتها مع النموذج الحضاري السائد هو نزوع أساسي وجوهري تبرره رغبتها في البقاء على مستوى الحضارة والاستمرار في التاريخ والحفاظ على المدينة، ويفسره شعور الشعوب الضعيفة بخطر تهميشها التاريخي

خطا التيار التراثي، هنا فيما يرى الدكتور غليون- يكمن في التهرب من الاعتراف بهذه الحقيقة الكاوية، ومحاولة إخفائها بإطلاق الاتهامات، التي يمكن أن تكون صحيحة ذاتيا، عن تعامل اصحاب الحداثة وضلوعهم في الغزو الفكري الغربي، لكن التي لا معنى لها على الإطلاق من وجهة نظر التحليل التاريخي، وليس من المؤكد في حقيقة الأمر أنه كان من الممكن المحافظة على التراث العربي المادي والروحي بدون الاستفادة من منجزات ومعطيات الحضارة الحديثة

: الاستمرار في المباهاة بقوة الثقافة العربية القديمة، وعدم الاعتراف بالأزمة الحقيقية، هو بالضبط، الطريق الرئيسي لتوسيع مجال الغزو الفكري والتمكين له، لا في تأكيد موقعها وتثبيت اقدامها أمامه، لأنه يشكل تجاهلا للدوافع العميقة نحو الحضارة، ومطابقة الية بين الحضارة والاستلابه

د- أن الاعتراف بأزمة الثقافة هو الشرط الأول من أجل فهمها ومعالجتها.

ه- أن الميل إلى الحداثة والتحديث لا ينبع، إذن، من ترك الثقافة المحلية أو هجر التراث أو عدم إحيائه، ولا من التخلي عن الهوية، بل إن تحويل الثقافة المحلية (وإذن، أيضا، الهوية التي هي ثمرتها) إلى تراث هو مصدر تفاقم الميل إلى الحداثة، وزيادة التطلع إلى الاندراج في الثقافة العالمية الصاعدة كمنبع للقيم الفعلية، وإطار لتحقيق إنسانية الإنسان.

إن هذا يعني كما يقرر الباحث أن النظر إلى التراث كمصدر للاحتفاظ بالهوية، هو حل شکلي

مروبي""

تصبح القضية، إذن، هي: كيف نحمي أنفسنا من الثقافة الأجنبية؟ والصراع بين الحداثة (المطابقة مع المجتمعات المركزية المبدعة في الحضارة) وبين المدنية الاحتفاظ بالذاتية) هو صراع دائم في كل جماعة. وليس المقاومة الحداثة في المجتمعات التابعة من مصدر سوى الخوف مما يحمله الحديث من تهديد لكيانها وخطر على ثقافتها.

ويرى الدكتور غليون، في ختام نقده للسلفية، أن أهم ما في التراثية أنها طرحت على الحداثية هذا السؤال

لماذا كان هنالك تحديث، ولم تكن هناك حضارة ومدنية، اي نهضة؟ ولماذا كانت هناك حداثة ولم تكن هناك معاصرة، أي مشاركة إيجابية ومنتجة في الحضارة وتقدم

حقيقي؟

وسوف يجيب الدكتور غليون عن هذين السؤالين عبر تحليل ونقد الحداثة، بعد قليل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت