على اننا نود - قبل أن تنتقل إلى تحليله ونقده للحداثة- أن نتوقف عند الخلاصات السابقة، التي ساقها الدكتور غليون في نقده للسلفية، لنقدم حولها هذه الملاحظات العابرة:
فمن ناحية، نلاحظ وضوح التعاطف مع التيار التراثي، على الرغم مما قدمه من مآخذ عليه، إذ هي مأخذ"ترشيدية تهدف إلى لفت نظر السلفية إلى مزالقها حتى تتجاوزها ويستقيم لها النجاح والتحقق."
ومن ناحية ثانية، نجد الكاتب لا ينفي من حيث المبدأ فكرة ضلوع اصحاب الحداثة في عملية الغزو الفكري الغربي في سياق يشي عنده بالمطابقة الحتمية بين الحداثة والتعامل مع الغزو الأجنبي، وهو يغفل بذلك- ان"الثقافة الأصلية الماضية، التي يضعها في مواجهة الثقافة الحداثية. لم تكن هي الأخرى خلوا من التأثر بالآخرين، وبالغرب خاصة، ولم تكن معزولة في قمقمها"الذاتي نقية من شوائب الاحتكاك، ومع ذلك شكلت روحنا الحية الأصلية وبنت هويتا الذاتية، تلك التي يكثر عنها الحديث.
ومن ناحية ثالثة، لم يوضح لنا الدكتور غليون طبيعة الأزمة الثقافية التي يريد للتراثية أن تعترف بها: اين تقع هذه الأزمة، هل هي في ثقافة الشعب، أم في الثقافة الرسمية التي تروجها النظم السياسية الحاكمة وطبقاتها السائدة؟
هل هي أزمة الفكر التراثي، أم أزمة الفكر الحداثي، أم أزمة الفكرين معا؟ مرة أخرى، يطل علينا منهج تفسير الفكر بالفكر، واغفال البعد - أو الأصل الاجتماعي للنظر
النقدي
ومن ناحية رابعة، نلاحظ أن الباحث دائم الحديث عن الهوية الخاصة وعن الذاتية الحضارية التي ينبغي علينا أن نستوعب الحضارة من خلالها، بدون أن يفسر لنا: ما هي خصائص وطبيعة هذه
الهوية وتلك الذاتية الخاصة لثقافتنا العربية كما لو أنهما، حقيقتان مسبقتان، لا يحتاجان لإعادة نقاش وفحص ومراجعة
هل هذه الهوية"طبيعية"، ازلية أبدية، لا تتغير ولا تريم؟ أم هي جملة من السمات التاريخية الاجتماعية ومن ثم، يمكن أن تتغير بالتغير التاريخي الاجتماعي، أو أن تأخذ على الأقل- تجليات متنوعة متجددة.
ومن ناحية خامسة، نلاحظ أن الدكتور غليون يتحدث دائما عن الحداثة كمرادف للمطابقة مع المجتمعات المركزية المبدعة في الحضارة في الغرب، لا باعتبارها شوقا اجتماعيا تاريخيا تطوريا أصيلا، تستشعره الجماعة وتنزع إليه، وان استفادت واستهدت بالتجارب السابقة والمماثلة في العالم.
ومن ناحية سادسة، نلاحظ أنه، بسبب من منهج تفسير الفكر بالفكر، يقرر أن مقاومة التراثية للحداثية لا سبب له سوى خوف التراثية من فقداننا لهويتنا ومن انهيار كياننا الخصوصي، ومن ثم