وكانت هذه الحلول الجديدة عند الدكتور غليون في الدعوة إلى الحفاظ على جدل النقيضين وصراعهما صراعا مبدعا، يخدم التطور والنهضة والتقدم.
لكن الدكتور غليون لم يناقش مع دعوته الحارة هذا السؤال العملي البسيط:
كيف سيضمن أو ستضمن استمرار الصراع بين هذين النقيضين استمرارا جدايا ورافها ومبدعا
هل ستضمنه السلطة الحاكمة؟ وهل السلطة الحاكمة محايدة بين الطرفين لتضمن استمرار صراعهما خلاقا راقيا
وإذا كانت منحازة لأي من الطرفين، فمن سيضمن له، أو لنا، الا تصفي هذه السلطة الصراع بين الطرفين، بضرية واحدة، لصالح أحد الطرفين، أو ضدهما معا؟
وهل يمكن أن نأمل في استمرار الصراع الفكري والاجتماعي بين النقيضين، قبل أن تتوفر شروط ديمقراطية صحية، تعتقد بتعدد الرؤى وتنوع الاجتهاد والاعتقاد والتمثيل الاجتماعي والفكرية
وهكذا، سنجد أن مناط المشكل كله، هنا، أمران: امسالة السلطة ودورها وموقعها وتوجهها ومسئوليتها، أي: النظام الاجتماعي / السياسي / الثقافي
ابومسألة الديمقراطية، أي حرية التعبير والاعتقاد والتنظيم، التي تضمن الا تتدخل السلطة تدخلا عنيفا حاسبيأ لتعطيم هذا الجدل الراقي المنشود، وتضمن كذلي- عدم انقضاض أحد طرفي الجدل على الطرف الآخر بالإرهاب والتصفية الجسدية، أو بتكفيره وإحلال دمه على الطريق.
بل إن مسألة الديمقراطية ستضمن من الأصل- أن يحصل التطابق بين الفكر القائد للمجتمع وبين قيادة المجتمع الفعلية، حتى لا يستمر الشرخ الدائم: الفكر النهضوي بعيد عن القرار والتنفيذ والتحقيق، ومع ذلك يوجه إليه الاتهام بالقصور والتخريب والعزلة وتدعيم السلطة والنظام الاجتماعي.
والواقع أن هاتين الممسالتين (مسألة السلطة، ومسألة الديمقراطية لم تحظيا من الدكتور غليون في"اغتيال العقل بعناية كبيرة، بينما هما في حقيقة الأمر- شرطان أساسيان سيشرطان نجاح او فشل هذا الصراع الخلاق بين النقيضين في البديل المرتقب."
وعلهما لم تحظيا بعناية كبيرة، بسبب إدراجها في صلب واحد من الجزئين القادمين من مساهمة الدكتور غليون الشاملة، حيث سيختص الجزءان القادمان بالمسألة السياسية والمسالة الاجتماعية، بعد أن استهل في اغتيال العقل بالمسألة الثقافية، ليكتمل لنا في نهاية المساهمة الثلاثية جهد نادر لمفكر مهموم بقضايا تقدم وطنه، عبر مسالك كبيرة ووعرة. وهر، لهذا، يستحق التحية الخالصة، على جهده البارز، وان اختلفت فيه أو معه بعض الآراء.