الصفحة 156 من 180

النهضة وتغييبها وإلى استبدالها بحداثة هي انخراط في دائرة التخريب والتبعية والتقليد"حتى تمزفت الذات العربية، وضاعت بين نداء الماضي الذي يعدها بهوية ثابتة، وفتة الحداثة التي تغريها بحضارة ناجزة".

ومن هنا، فإن وجود الذات العربية ما زال وجودا سلبيا، لأنه يقوم على نفي للعلاقة الأصيلة الوحيدة التي تكون تاريخية هذه الذات، وقسمة الإبداع الوحيدة التي تدعوها للعمل والمبادرة والتجديد والتجاوز، وهي العلاقة المتناقضة والمتصارعة التي تكونها كذات قديمة وحديثة في الوقت نفسه، أي كتمسك بالهوية وطموح إلى العالمية.

على هذه الأرض، يتضح في خاتمة الكتاب تحرير العقل المخرج الكبير الذي يقدمه مشروع الدكتور برهان غليون.

بداية هذا المخرج، تتجلى في الاعتقاد بأن أزمة العقل العربي نابعة من أزمة الفعل العربي. وقاعدة تجاوز هذه الأزمة (ازمة الفعل العربي) هي النقلة الصناعية، بدون إلغاء العقل. وتتجلى، أيضا، في ضرورة الوعي الذاتي بالمشكلة، والاعتراف بأن هناك أزمة حضارية عربية تجعل ثمة تعارضا بين تحقيق الهوية وتحقيق الحضارة، بين التراث العربي والحداثة الراهنة. وأن هذا التعارض بخلق انشقاقا في المجتمع والوعي العربي بين عناصره الحديثة وعناصره القديمة. لكن الوعي النقدي المبدع يقبل بهذا التعارض، ويعتبر أن مبرر وجود الذات العربية اليوم ومحور نشاطها هو قبولها للتحدي وسعيها إلى تجاوز هذا التعارض.

وبمعنى أدق، فإن تحقيق النهضة يعني استمرار الذات واستملاك الحضارة في الوقت نفسه. فالنهضة هي مشروع تحقيق الذاتية العربية بما هي هوية حضارية وحضارة ذاتية

وإذن، فإن حركتي البحث عن هوية واكتشافها، والاندفاع وراء الحضارة وتاهيلها، هما حركتان أصيلتان تكملان بعضهما بعضا.

والخلاصة التي يطرحها الدكتور غليون، هي أن مصير النهضة ليس معلقا بإحياء التراث وحده ولا باستيعاب الحضارة وحده، وإنما بالاحتفاظ بهذا التناقض الحي بينهما، اي بهما معا

نأخذ من الحضارة ولا تؤخذ بها، ونحيي التراث ولا نحيا به

هذا هو مشروع الدكتور برهان غليون في عمله الكبير"اغتيال العقل؛ استمرار جدل النقيضين استمرارا مبدعا ومتوازنا وخلاقا,"

ولن ناخذ على هذا العمل الكبير أنه انتهى بعد مشوار فكري جاد وطويل إلى التوفيق بين الطرفين، بعد تهذيب كل طرف من شوائبه المنهجية والنظرية. هذا التوفيق الذي انتقده، منذ قليل، الباحث نفسه، إلى درجة أنه راي آن اعمال حسن حنفي وحسين مروة وطيبه تيزيني (على ما بينها من تباين) لم تضف شيئا، من منظوره الذي رأى فيه أن النهضة ليست بالأساس إلا التقريب بين عالمين متناقضين ومختلفين، عالم الثقافة المحلية وعالم الحضارة، لا ينفي أحد القطبين، ولا بالاحتيال على تناقضها، وإنما يإيداع حلول جديدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت