الدكتور غليون سهام النقد
إن المأزق، هنا، هو مأزق النظام العربي الحديث، أو العقلانية البرجوازية، أو الأنظمة الوطنية البرجوازية العربية، التي نشات بدون ثورة بنيوية كاملة في هيكل المجتمع تنقله من التقليد إلى التحديث، ومن النقل إلى العقل، والتي نشأت في حضن الرأسمالية الكومبرادورية والإقطاعية المبرجزة التي يشير إليها الباحث، والتي نشأت في ظل تطور فكرة الاستعمار والإمبريالية التي لم تعد تسمح للرأسماليات الوطنية بأن تستقل بسوقها الرأسمالي استقلالا حقيقيا.
هذا هو الوضع المشوه لنشوء النهضة البرجوازية الحديثة في المجتمع العربي، الذي ألحق الضرر بعقلانيتها وخربها من الداخل، ومن هنا، فإن مرض النظام الاجتماعي العربي، أمرض العقلانية العربية الحديثة، وليس العكس، كما يريد لنا الدكتور غليون أن نفهم.
يبسط الدكتور غليون البديل الذي يقترحه، في"الوعي الذاتي ونظرية النهضة والإبداع التاريخي منطلقا من خلاصات ما سبق أن حلله وفصله عبر الفصول السابقة"
فيري آن نشوء الحداثة مستقل عن الوعي بها، وعن الأيديولوجية التي أطلقت عليها هذا الاسم، ولكن الحداثة بتحولها إلى أيديولوجية فقدت طابعها الموضوعي وتحولت إلى دعوة عقلية، فصارت تدافع عن"مشروعية وجود الفئة الاجتماعية المتماهية معها، والنظام الاجتماعي الذي يتيحها."
ويرى أن الحداثة اجهضت لأنها عكس تطلع الأمة ووحدتها. وأن محاولة الحداثة مقاومة البني الثقافية التقليدية، التي تشكل ثقلا نوعيا يمنع الجماعة من التحول إلى ورقة في مهب الريح، هي سبب آخر من أسباب هذا الإجهاض.
على ذلك، فإن مهمتنا الأساسية عند الدكتور غليون- ليست نقد الفكر التقليدي، فقد فعل ذلك الإصلاحيون، بل نقد فكرنا نحن، فكر الحداثة، خلال أكثر من قرن، والمطلوب هو تحويل المشاكل التي تثيرها الحداثة للخروج منها بنظرية تتجاوز تبديل التقنيات لتصب في فهم واهداف وغايات اجتماعية مقبولة ومعددة.
فاصل التخلف كما يذهب الباحث ليص استمرار تأثير التراث، إنما هو بقاء هذه الحداثة نفسها غريبة ومغرية,
والمشكلة، إذن، ليست في التراث ولا في الحضارة، بل هي في النظام الثقافي الذي طورناه نحن في القرون الحديثة من اجل استيعاب هذه الحضارة وهذا التراث. ولابد من ثم الانتقال من نقد التراث أو تحويره، إلى نقد العقل، عقل الحداثة ونكرها
إن النقاش الدائر من سنوات حول تأصيل الوافد وتحديث الموروث، جعل همه الأول التوصل إلى اتفاق أو توفيق ما بين العنصرين: التراث والغرب. وهو توفيق لا يهدف إلا إلى القفز على مسألة