الصفحة 152 من 180

بنفس المنهج الذي نقد به الحداثة العربية، ينقد الدكتور غليون العقلانية العربية , فما هو عنده مازق هذه العقلانية العربية الحديثة

يشخص الباحث هذا المازق فيما يلي

أ- أن منظومة القيم الثقافية الجديدة دخلت المجتمع، عن طريق مثقفين بعيدين نسبيا من الشعب والفئات الشعبية ما تزال متمسكة بمنظومة القيم التقليدية.

ب- أن النزعة العقلانية دخلت مجتمعنا قبل أن تتطور وتنمو طبقة جديدة منتجة، أي قبل أن يظهر نموذج إنتاجي واقتصادي جديد.

ج- حاولت هذه الفئات النخبوية التي أدخلت العقلانية أن تستخدم هذه العقلانية لتخليد سيطرتها وسيادتها وتامين ركود العلاقات الاجتماعية واستمرار النظام الاجتماعي القديم

د- دخلت كعلم وتقنية وأيديولوجية، ضد كل قيمة ومعيار وكل ما يشكل تبعا عميقا للثقافة كمصدر إجماع

ه- دخلت كحليف للطبقات العليا وللغرب المستعمر.

و- دخول منظومة القيم الجديدة هذه حمل معه وهو يعكس ظهور طبقة إقطاعية مهرجزة مرتبطة بالسوق العربية- خطر السيطرة القومية الأجنبية على المجتمعات الإسلامية واكد هذا المسار النمو ذو الطابع الكومپرادوري التجاري والسمساري للراسمالية الإسلامية والعربية.

فبقدر ما كانت الأفكار العقلانية تدفع إلى تقوية سلطة أبناء العائلات المسيطرة والفئات المتنفذة التقليدية، كانت تخرج الشعب من الساحة السياسية والإدارية والعقلية والاقتصادية، وتحرمه من إمكانية فهم ما يجري ومراقبة التحولات الجديدة

وبصرف النظر عن بعض الجزئيات الدقيقة في تشخيص الدكتور غليون لأزمة العقلانية العربية الحديثة، فإن منهج هذا التشخيص هو نفسه منهج نقده للحداثة العربية

على أن ما نود أن نلفت النظر إليه، هنا، هو أن معنى هذه العناصر التي يرصدها الباحث للمازق تشير بوضوح -ربما على غير ما يريد إلى دلالة كبيرة.

مؤدي هذه الدلالة هو ان مازق العقلانية العربية الحديثة ناجم من انها كانت أفكارا عقلانية، من دون ثورة عقلانية اجتماعية سياسية (برجوازية) .. والمازق، إذن، ليس مازق الفكر العقلاني، بقدر ما هو مازق مجتمع لم يصل به تطوره الاجتماعي إلى الثورة البرجوازية الكاملة، بخصائصها الديمقراطية والوطنية والتحريرية والتحديثية

ولم تكن تلك، بالقطع، مهمة العقلانيين، فلم يكن العقلانيون هم السلطة، ولم يكن من مسئوليتهم خلق طبقة جديدة منتجة أو نموذج إنتاجي اقتصادي جديد""

تللي هي ازمة البرجوازية العربية، كما يقول الفكر السياسي التقدمي الراهن، الذي يوجه له

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت