الصفحة 150 من 180

محدودة - الدور النظم العربية الديكتاتورية في قطع الطريق على الحداثة والتحديث. إن الحادثة ليست هي التي انجبت الديكتاتوريات العربية، بل الأصح هو أن نقول إن التخلف هو الذي أنجب هذه الديكتاتوريات ورسخها وتركها تتعمق وتهيمن.

وبالمثل، فإنه لم يول عناية للهزيمة العسكرية السياسية العقلية التي مني بها النظام القومي العربي، بما خلفته هذه الهزيمة الشاملة من مناخ صالح لترعرع النزع السلفي والميتافيزيفي والماضوي في تفسير الهزيمة، بابتعادنا عن النموذج القديم

كما غض النظر عن عامل صعود النظم القومية الوطنية قبل حلول الهزيمة - وسيطرتها على إدارة المجتمعات العربية، وتجييرها"الحداثة العربية لصالحها (بالقهر حينا، وببريق المنجز الوطني والاجتماعي حينا آخر، وبالديماجوجيا في كل حين) ، فدمرتها حين تدمرث، بوقوع المطرقة على الجميع"

ثم غض النظر بعد ذلك عن الردة الاجتماعية والوطنية والسياسية التي سارت فيها التظم العربية، وما صاحبها من قيم مضادة: نحتقر العمل والعقل والنظر، وتمجد المشروع الفردي والنزع الاستهلاكي والروح البراجماتي البغيض.

وهي كلها قيم ضد حداثية. وقد رافق كل ذلك غياب المشروع الوطني الاجتماعي الذي"بسيج"هذه الحداثة ويحميها ويدفعها

للأمام.

فليست للحداثة قوة سحرية ذاتية. إن قوة كل حداثة مستمدة من سياقها الاجتماعي والحضاري.

وليس صحيحا سمن ثم ما تشي به نقدات الدكتور غليون من المطابقة بين الحداثة والسلطة، أو الإيحاء بأن الحداثة كانت في السلطة، تنجح أو تفشل في تحويل المجتمع إلى الحضارة والنهضة وتكون محاكمتهما على ذلك عادلة.

إن اغلب مراحل وفترات ما يسمى العصر العربي الحديث، تؤكد أن الحداثة والسلطة كانتا على طرفي نقيض، وأن الاتجاه الأقوى والأرسخ والأكثر استمرارا وعضوية في السلطة العربية، كان الاتجاه السلفي التقليدي.

وهنا تصل إلى الملاحظة الأساسية على نقد الباحث للحداثة، فقد تعامل الباحث مع"الحداثة"باعتبارها كتلة واحدة، متجانسة، مصمتة، صماء. وفو، پذلك، يقفل حقيقة أن الحداثة ذات طابع اجتماعي، وأنها لذلك تتجسد، في المجتمع المتقسم طبقيا، في أحداثات متعددة ومتباينة

ومن هنا، يصبح من الجور النظري، عدم التمييز بين حداثة البرجوازية وبين الحداثة الثورية ومحاسبة الحداثة الثورية بما يشوبه الحداثة البرجوازية من شوائب: المثالية أو الثانوية أو التجزيئية أو الإصلاحية أو الانعزال.

وأغلب الظن أن الباحث قد مزج بين"الحداثتين ليسهل له، نظريا، هجاء الحداثة برمتها، والثورية منها بخاصة، والإقرار بفشلها، وبحاجتنا إلى نظرية بديلة."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت