الصفحة 168 من 180

في الجذور نشتبه في أن هذا التواتر ليس نتيجة للتأثر والتأثير، وإنما هو نتيجة لوحدة في الأصول.

ويرى د. عوض انه ليس من الضروري أن تكون هذه الأصول واحدة في السلالة، كما يذهب أصحاب النظرية العنصرية، لكي تشترك الشعوب في اللغة التي سنستخدمها المصريون وعامة سكان شمال افريقيا على سبيل المثال ينتمون سلاليا إلى عنصر غير عربي، ومع ذلك قد قبلوا اللغة العربية حين قبلوا ثقافة الإسلام. بل إن أقباط مصر الذين لم يقبلوا ثقافة الإسلام قبلوا اللغة العربية لأنها غدت لغة مصر القومية، وحين واجهوا مشكلة الاختيار بين الوحدة القومية واللغة والانشقاق القومي باللنة أثروا الوحدة على الانشقاق. وبالمثل، فإن المصريين المسلمين، رغم قبولهم الثقافة الإسلامية، لم ياخذوا اللغة العربية ماخذا حرفيا، وإنما امتصوا فيها الكثير من عناصر اللغة القبطية، وهي مرحلة من مراحل اللغة المصرية القديمة الديموطيقية، أي العامية، التي كانوا يتكلمون بها قبل دخولهم الإسلام، وهكذا ظهرت بين الكافة من المصريين العامية المصرية التي كان ممودها الفقري من اللغة العربية ونسيج لحمها من اللغة المصرية القديمة

واذا ما نحن نظرنا إلى تجربة الأمم الأخرى وجدنا أن هناك نظائر عديدة لهذا الوضع الذي تختلف فيه الشعوب من حيث السلالة أو العنصر، وتشترك من حيث اللغة.

وعلى ذلك، يدعو الكاتب إلى وجوب الحذر من نظريات النقاء السلالي والتقاء اللغوي حتى في العصر العربي الكلاسيكي، وفي قريش ذاتها.

وبعد رصد وتحليل للموجات البشرية التي تواترت على منطقتنا، يرى الكاتب أن العرب موجة متأخرة جدا من الموجات التي نزلت على شبه الجزيرة العربية من القوقاز والمنطقة المحيطة ببحر قزوين والبعر الأسود نحو 1000 قبل الميلاد. ولعلها لم تستقر في مكان ما في بلاد ما بين النهرين او في الشام الكبير لأنها وجدت في هذه وتلك أقواما منظمة أقوى منها باسا واعلى حضارة، فنفذت إلى الفراغ الكبير في شبه الجزيرة من طريق بادية الشام حاملة معها لنتها القوقازية المتفرعة من المجموعة الهندية الأوروبية، أو لعلها آثرت حياة البداوة والرعي والتجارة التي ألفتها في مهدها الجبلي الأول على حياة الاستفلاح والاستقرار، ففضلت الحرية في شبه الجزيرة على القيد في وديان الأنهار، مكتفية بروابط العصبية أو"القومية كأساس للتماسك الاجتماعي عن الارتباط بالوطن، سجن المتحضرين، على رأي ابن خلدون."

وإذا أعلمنا التاريخ أن الفراعنة قد تعقبوا جحافل الهكسوس إلى شبه الجزيرة العربية، نستطيع أن نفسر يقول د. عوض- وجود كثير من الألفاظ المصرية القديمة في اللغة العربية القرشية التي تسلمناها من المريب بعد الفتح العربي. وبهذا وحده نستطيع أن تفسر الآثار الواضحة للديانات المصرية القديمة ومصطلحاتها في لغة الجاهلية القريبة وفي بعض معتقداتها الدينية كما نستخلص من تحليل المفردات الدينية العربية ومن تحليل العبادات العربية الوثنية.

بحسب لويس عوض، إذن، فإن هناك تراكمات سلالية وحضارية ولغوية ينبغي أن تدخل في تقديرنا عند الكلام عن العرب ولغتهم. وهي أشبه بالطبقات الجيولوجية التي لها نظائر في تاريخ كل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت