الصفحة 74 من 180

يحاصرهم جنود الهجانة، تنهال السياط على أيداتهم المحمومة. إلى المعازل يعودون بيتلمون فصوص الثوم، ويتزون طوال الليل عرقا رقينا حتى الموت: تصيبهم الوحيد من ثروة وطنهم.

صدفة محضة اننا نجونا من الفاشية والنازية، وقلتا من منجل الوباء ومن إشعاعات قنبلة هيروشيما، فاذكروا هذا إذا ما جلستم على منصة القضاء وعرجتم الطربوش على ناحية، ذلك أننا أبناء القهر ندعي، وقهرنا كان كونيا وليس محلياء

نحن أيضا كنا نحلم، فأبعدوا نصوص زادانوف من قانون العقوبات النقدي. دفعنا أهلونا إلى الكتاتيبه لعلنا نفلح فنسند ظهورهم التي أحنتها الحرب. ترتدي البنطلون و الزاكنة ونضع على رؤوسنا طربوشا يقينا ضربة الشمس، وتتقاضي آخر الشهر مرتبا ثابتا، وليس كثيرا على الله أن يكون ابن عم الطاهر عبد الله باشا كعبد الفتاح بحيى، أما نحن فكنا نحلم بخبز المدينة الطري، وبالطعمية والحلاوة الطحينية، وفي الذاكرة صور للسياط التي تكوي الظهر والنساء اللواتي متن قهرا وجوعاء والجدة التي تروي الأساطير، والراوي الذي يغني على الريابة

وحين زحفنا من الفري/الشقوق إلى المدن الكبيرة، لم تمنعنا عساكر الهجائية. جئنا في الدرجة الثالثة، لأنه لا توجد درجة رابعة بالقطار، على ظهورنا قفف البتاو وزلع المش والأرز المعمر بلا شئ نسرينا في الغرف السطوحية بالحارات الخلفية. نقرأ كتبا مدرسية وكتبا صفراء وكتبا بيرونية وكتبا مترجمة والدنيا قد تغيرت الحرب الساخنة صارت باردة. والملك فاروق غار في داهية، والنحاس في الإسكندرية يعانق الصمت والوحدة، بعد أن قال كلمته الأخيرة

"مالكوش دعوة بالعسكر، دل زي دبابة طالعة جبل، اللي يقف في وشها تدوسه. حتطلع لفوق وتقع هناك تتدشدش،"

حين قرأنا ارض الشرقاوي، لم نهتم كثيرا بمن قالوا إنه نقلها عن أجنازيوسيلوني، بطرف اللسان عرفنا طعم قرانا على صفحاتها. كانت وصيفة بواسة حضانة كما كانت زينب (حسين هيكل) ، لكن قرية"زينب لم يكن فيها رجال ينزفون مع البول دما وصديدا، وتتبخر الحياة من أجسادهم عرق حمي"

اما يوسف إدريم فقد علمنا أن القصص يمكن أن تحكي عن ناس الذين عشنا ونعيش معهم.

لم نكن نعرف شيئا من"ريري ابنة عبد الرحيم بك فتحي أحد كبار مهندسي وزارة الأشغال، ولم يخطرنا أحد بموعدها مع حبيبها إذ القمر بدر بين غابات النخيل، شاهد اللقاء كان محمود کامل المحامي والقصاص"

بطلة النظارة السوداء کا متبصرة لم نلتق بمثلها في قرانا أو في خيالنا، لذلك تصبينا عرقا على أسطر النقط التي تفصل بين ضرب حبيبها لها واستسلامها له.

في قصص يوسف إدريس التقينا بالناس الذين نعرفهم. بالخادمة التي تحمل صواني الكعك وتأمل نظيراتها تلعبن بالكرة في الشوارع. بالمجنونة التي خلعت ثيابها في القطار ووقفت عارية تهتف بحياة الملك وسقوط الريم إسماعيل أبو بطة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت