الصفحة 78 من 180

السراج في الأحماض، ولم يتبق منه سوى رغوة على سطح الحامض،

انضم اولاد المستورين إلى التجار، وأخذوا قومسيرية تجار الموسكي وسوق الحميدية، أما نحن فتصبح شيوعيين، لم يبذل أحد مجهودا جديا لتجنيدنا ولم يختلف الأمر عما كان عليه قبل ذلك: فنحن نفس الشلة، تقرا، ونكتب ونحضر اجتماعات الخلية، وتلتقي دائما في مقهى"ايزافيتش (هم ويني مكانه مکتب سفريات حاليا) ، ونتبادل مطبوعات التنظيم، وننسخ الكتب المدرسية، ونتبادل انباء ما يجري في الواحات وأبو زعبل، ونمارس لذة الإصاص بالمطاردة، ونؤكد لأنفسنا دائما بصوت عال اثنا الشعب ننتمي"

نجيب محفوظ، ما بعد الثلاثية، خاصة"اللص والكلاب هو عالمنا المطارد المحاصر المحيط الذي يحيط به المخبرون، هو الذي يمنحنا أسماءنا الحركية التي تمارس بها لعبة النضال، تقاسمت انا ويحيي اسم سعيد مهران"دون اتفاق مسبق، وعرفت فيما بعد أنه اختار اسم سعيد ولما كنت قد سبقته فأخذت الاسم لنفسي فقد اكتفى باللقب.

كانت بد الله قد دفعتنا في التجربة فوجدنا أنفسنا بين مصراعي عقد الستينيات، السجون والمعتقلات وقرارات بوليو 1991، وانفراجة 1964 الديمقراطية، وقرارات الحل: حطمت المعبد الذي عشنا زمن الحلم بين جدرانه، ويوم نشرت"الأهرام قرار حل"الحزب الشيوعي المصري قال شاعر من خريجي الواحات

انا ساقاضي الحزب، اين اشتراكاتي؟ أم أن أموال التنظيم قد انتقلت إلى الاتحاد الاشتراكية""

حين تأملنا الأمر بعد ذلك، أدركنا أننا لم نتمرد على أولاد المستويين إلا كما يتمرد عليهم بعضهم وإننا لم نستطع أن تنفيهم من جلودنا، وحين هزم عبد الناصر عام 1997، هزمنا معه، وتلون عالمنا بالفجيعة، ونز أدبنا ندبا للذات ولوما، لكننا حين كنا نلهث وخلفنا مخبروه كا نهتف دون أن ندري بحياته، كما فعل شهدي عطية الشافعي، وكما وقف أحمد عبد المعطي حجازي، وهو في زنزانته يهتف بحياته، لأننا هزمنا حين هزم، فقد مات بعد أن ضيعنا صغارا وحملنا دمه كبارا، وامتلات حائة مخالي بالتجار الكبار يبيعون عرض البنات وعرض الوطن، ويتمخطون في علم البلاد.

نحن في الواقع کا مشوقين للانتماء للوطن وللشعب، ونحن حاولنا ذلك فسجلوا في خانة الظروف المخففة أن جيلنا صلع راسه بالبحث عن الفولكلور واستلهامه حتى أن شعر العامية بدا في أوائل الستينيات دعوة للكتابة بلغة الشعب. وتطرقنا فبدأنا نكتب قصصا بالعامية، وتحدثا عن اللغة الطبقية حديثا لا يخلو من فجاجة، ثم أنقذنا ستالين في مؤلفه الماركسية وعلم اللغة. ونحن مدمنوا قراءة الكتب الصفراء من مكتبة محمد علي صبيح: حمزة البهلوان وسيرة عنترة وسيف بن ذي يزن والهلالية، تقودنا رغبة للتوحد بذلك الكائن القدس إذ نحن في العمر الرومانسية الشعب. ويوما بعد آخر نكتشف اننا لسنا هو، تتدحرج من الزحام إلى الشلة إلى الخلية التي تمارس لذة المطاردة. تقترب إلى الرفاق المنفيين كأننا ننتظر المهدي المنتظر. ولا نستطيع أن تتخلص من انتمائنا لظاهرة عبد الناصر، وبعد أعوام يتعقد شعر العامية ويدق فهمه على المثقفين ويمتلئ برموز سيزيقية واساطير

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت