الصفحة 32 من 136

حدودها، فكان كالجائع المحروم الذي بهرته مائدة حافلة بالوان الأطعمة، منها ما يلائمه وما لا يلائمه، ولكنه لم ينظر إليها إلا بعين حرمانه، ولم يرها إلا بصورة من النعيم الذي يتوق إليها ويشتهيه، وكان يشاركه في ذلك زميله خير الدين التونسي.

هذه الآثار الجديدة التي أثارها اتصال المسلمين بالحضارة الغربية، لم تكن تشق طريقها بين المجتمع الإسلامي في سهولة ويسر.

هذه هي المرحلة الأولى من مراحل اتصال الإسلام بالحضارة الغربية، بدأت في أول أمرها بعيدة أن تمس الإسلام، تطلب القوة في تنظيم الجيوش وتسليحها، وتنظيم مصادر الثروة وتنميتها، ثم انتهت إلى الإشتباك مع الإسلام في تقدير قيم السلوك الفردي والجماعي.

وقد كانت دوافع المفكرين والحكام هي طلب القوة للمجتمع الإسلامي، وابتغاء الوسيلة إلى اسباب النهضة، التي تخلص المجتمع من ضعفه وجهله وفقره.

لم ينته القرن التاسع عشر إلا وقد عظم شان الإستعمار الغربي و استفحل، وسقطت أكثر البلاد الإسلامية تحت سيطرته ونفوذه. وبدأت صلات الإسلام والمسلمين بالحضارة الغربية في طور جديد، أصبح فيه هذه الحضارة الغازية أكثر قوة وفاعلية، لأنها انتقلت مع الجاليات الأجنبية التي استقرت في بلاد المسلمين وأصبحت تحيا بين ظهرانيهم، وتعيش في قلب بلادهم، وتقدم نموذجا حيا لأنماطها الفكرية والاجتماعية، يرى عن طريق المشاهدة والتقليد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت