الصفحة 209 من 434

وفي هذا الصدد، اتبعت القوة المهيمنة في الحكومة المركزية، إدراكا منها لأهمية القبلية ونفوذها، عددا من الاستراتيجيات لتوثيق علاقاتها مع القبائل. تتمثل الاستراتيجية الأولى في الزواج المسيس، فهو وسيلة لإقامة تحالفات من خلال تكوين صلات قربي ومصاهرة مصطنعة. وتدور الاستراتيجية الثانية حول بناء شبكة علاقات تقوم على الرعاية أو المحسوبية، حيث تم في بعض الأحيان إدراج القبائل البدوية في التنظيمات العسكرية للدولة، كما هي الحال في الأردن والسعودية. (20) وتتمحور الاستراتيجية الثالثة حول إقامة علاقة معنوية مع القبائل، كأن يقوم رئيس الدولة بزيارات منتظمة إلى جميع مناطق البلاد بهدف الحفاظ على علاقات جيدة. ومن المعتاد أن تقترن معظم الزيارات ب"هدايا"للقيادات العليا للقبائل. (21) ويمكن القول: إن الاستراتيجيات الثلاث السالفة الذكر ما هي إلا ممارسات روتينية تهدف إلى تحقيق اندماج وطني في الكثير من الدول العربية.

وباختصار، فقد شكلت القبائل في الغالب تهديد السلطة الحكومات المركزية، ولعبت دورا في تشكيل السلالات الحاكمة وتفكيكها طوال التاريخ العربي. وحتى القوى الاستعمارية الغربية نفسها شجعت القبلية كثقل موازن للقومية العربية المتصاعدة. ولاتزال الظاهرة القبلية حية وفاعلة في بعض الدول العربية على الأقل، كما لاتزال الهوية القبلية حاضرة في الوعي الاجتماعي - السياسي لكثير من العرب المقيمين في المدن الحديثة. ولذا، يمكن القول: إن القبلية العربية متجذرة ثقافية ومتشكلة سياسية حتى وإن تفاوتت قوتها من بلد إلى بلد. ويعد هذا التفاوت نتيجة لتباين أنماط تشكل الدولة، والتغلغل الاستعماري، والنمو الاقتصادي، والتغيرات الاجتماعية. وعليه، لم تكن العلاقات بين الدول والقبائل ثابتة، بل كانت تتغير دائما مع تغير الظروف الأمنية والاقتصادية والسياسية. وثمة متغير مهم في العلاقات بين الطرفين، وهو أن القبائل تغدو قوية حين تكون الحكومات المركزية ضعيفة. (22)

وهكذا، تظل القبائل طرفا سياسية رئيسة في العلاقة بين الدولة والمجتمع في هذه المنطقة، فقد بايع مئات من زعماء القبائل الملك عبدالله، ملك السعودية، حين حضروا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت