الصفحة 208 من 434

وقد لبت القبائل احتياجات أفرادها بطرق مختلفة: أولها، رفض القبائل البعيدة عن الحكومة المركزية سلطة الدولة واعتماد سلطتها هي، فهذه القبائل قاومت الحكومة المركزية عسكرية، أو انتقلت إلى مناطق أبعد بهدف الإفلات من تدخل الدولة واستغلالها. وثانيها، سيطرة قبيلة قوية على مؤسسات الدولة، وتنفيذ هجمات مباشرة لمصلحة أفراد القبيلة. وقد حدثت هذه الظاهرة من وقت إلى آخر في العالم العربي، وفسرها ابن خلدون على أنها عملية تغيير سياسي في المنطقة. وثالثها، قيام بعض القبائل بتأسيس علاقة شراكة مع الحكومة المركزية، بحيث تدعمها وتتلقى مزايا في المقابل، كأن تحصل على مكافآت مالية أو حكم ذاتي مقابل مشاركتها في التصدي للتهديدات التي تواجه الحكومة أو إنهائها. وثمة مثال نموذجي يمكن تلمسه في حالة قبيلة"آل مرة"البدوية في الشطر الجنوبي من الربع الخالي في المملكة العربية السعودية، إذ انضم أفرادها إلى الحرس الوطني السعودي الذي تسيطر عليه بشكل مباشر الأسرة الحاكمة. (19) ورابعها، قيام القبائل بدور فاعل في حماية أفرادها وأراضيها من غزو القبائل الأخرى. وخامسها، قدمت القبائل، بوصفها مجتمعة قائمة على الأراضي وصلة القربي، شتي خدمات الرعاية الاجتماعية لأفرادها مثل المشاركة في رعاية الأطفال، وتوفير المواشي والأغذية عند الحاجة، والشروع في مشروعات واسعة النطاق تحقق منافع لأفراد القبيلة.

وجدير بالذكر أن للعوامل الجغرافية أثرها في تشكيل العلاقة بين القبائل والدولة. فالشائع هو أن تفرض الحكومة سلطة أقوى في قلب البلاد، ولكنها تفتقر إلى السيطرة القوية على المناطق الحدودية البعيدة، ومن هنا فإن القبائل التي تعيش بعيدا عن المركز غالبا ما تتمتع بقدر لا بأس به من الاستقلالية. ومع ذلك، فليست القبائل والدول منفصلة تماما من الناحية الجغرافية. وسيكون من الأدق القول: إن القبائل هي أشكال بديلة نوعا ما من التنظيم، تسعى إلى تقاسم المكان والسلطة اعتادة على البيئة السياسية والاجتماعيةالاقتصادية. وهكذا، استبعد وجود القبلية ونفوذها في أثناء تشكل الدولة وهويتها، لكن هذا لا ينفي حقيقة أن الدول والقبائل تتعايش في العالم العربي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت