فهرس الكتاب
وعلى عكس الحالة المصرية، فإن التيار الإسلامي الوحيد الذي خاض العمل السياسي المباشر بعد الثورة التونسية هو حزب حركة النهضة، أما باقي التيارات فإما أنها لا تؤمن بالعمل السياسي، وإما أنها نالت تأشيرة العمل السياسي بعد الانتخابات. لذلك يقتصر هذا الفصل على تناول حركة النهضة التي هي أهم الفصائل الإسلامية على الإطلاق. (1)
وفي ضوء ما سبق، فإن الهدف من هذا الفصل هو رصد ومتابعة وتحليل مجريات الأحداث في تونس منذ اندلاع الثورة في 17 ديسمبر 2010، ومغادرة الرئيس المخلوع في 14 يناير 2011، فضلا عن تحليل وتقييم خطاب حركة النهضة ومواقفها، في ضوء تطور تلك الأحداث. ومن هنا، يمكن الكشف عن حدود الاستمرارية والتغيير في خطاب الحركة وممارساتها في مرحلة ما بعد زين العابدين بن علي.
وبخصوص منهاجية الدراسة، يمكن القول: إنه إذا كان تنزيل الخطاب والمواقف في سباقات الأحداث شرطا رئيسا لتحليلها وكشف أبعادها و خلفياتها ونتائجها، فإن الهدف هنا ليس هو البحث عن الصحيح والخطأ، ولا حتى عن عقلانية مفترضة في الخطاب والمواقف. لقد تجاوز التحليل العلمي للخطاب السياسي هذه الطريقة المعيارية"منذ زمن طويل، وأصبح قائم على منهاجية أكثر حيادة. ولقد مثل صدور کتاب شاييم برلمان ولوسي أولبر خت- تيتيکا، وعنوانه البلاغة الجديدة: مصئف في الاستدلال (2) ، نقلة نوعية في هذا المجال، إذ قطع مع التمثلات"الديكارتية"للحقيقة، وأعاد، بشكل ما، المصداقية والمشروعية إلى ما يمكن تسميته «بلاغة الخطاب الإقناعي» (3) ، وأقر بأهمية الخطابات التي تبحث عن الإقناع بدلا من البحث عن الحقيقة والبناء المعرفي."
وفي ضوء ما سبق، فإن الخطاب والمواقف قيد الرصد والتحليل والتقييم تندرج ضمن الفعل السياسي الهادف إلى التأثير، دون الفعل التأملي الهادف إلى التنظير. وهذا يدخل في مجال التواصل السياسي"حتى وإن طرح أو قدم بصفة المواقف الدينية والشرعية، أو الفلسفية المبدئية. وقد أصبح التواصل السياسي مبحث مستقلا بذاته في"