الصفحة 357 من 434

إن التحليل السابق لخطاب الحركة ومواقفها منذ بداية الثورة التونسية، يميل إلى تأكيد أن لحظة الانتخابات والحصول على الأغلبية لم تكن لحظة حاسمة في خطاب حركة النهضة، وأن التغيير الأهم قد حصل بعد انعقاد مؤتمرها التاسع في يوليو 2012. ويبدو أن فشل المؤتمر في وضع رؤية واضحة للحكم وللمستقبل توحد بين جميع تيارات الحركة هو الذي أعطى الضوء الأخضر لكل تيار أو شخصية قيادية بأن يدافع علنا عن مواقفه ورؤاه، وكانت النتيجة أن المراقب الخارجي أصبح حائرة في فهم و تأويل كم كبير من التصريحات والمبادرات المختلفة والمتخالفة، بل المتباينة والمتناقضة في بعض الأحيان. ولقد انعكس هذا الوضع على أداء الحكومة طبعا، وزاده حدة، تشكل الحكومة نفسها، حيث ضمت حليفين آخرين هما حزبا"التكتل"و"المؤتمر"، ثم انقسام الثاني إلى حزبين، ولاشك في أن العزف على أوتار عدة غير متجانسة يحدث النشاز، ويعوق الحكومة عن اتخاذ القرارات الحاسمة والالتزام بها

بيد أن حالة النشاز ظلت محددة بسقف لا مجال لتجاوزه داخل حركة النهضة وهو الولاء للحركة ذاتها، والانضباط لتنظيمها، والمحافظة على روح الانقياد التي تميز تقليدية تنظيمات الإخوان المسلمين. فعلى عكس كل الأحزاب الأخرى تقريبا التي شهدت انسحابات وتوترات وانقسامات وانشقاقات، ظل حزب النهضة متماسكة، ولم يسجل بين صفوفه انسحابة واحدة حتى تاريخ الانتهاء من كتابة هذه السطور. كما ظلت الكتلة النهضوية في حكومة الجبالي متماسكة أيضا برغم اختلاف المقاربات، ولم تسجل إلا حادثة واحدة وهي تخلي الوزير سمير ديلو، وزير حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية، عن مهمة الناطق الرسمي للحكومة، لأن قدراته الفائقة على التلاعب بالكلام، إلى حد السفسطة أحيانا، لم تعد قادرة على حجب التناقضات العميقة في تصرفات وتصريحات زملائه في الحكومة. أما في المجلس الوطني التأسيسي، فإن تصويت كتلة حركة النهضة كان الأكثر انضباط بين الكتل، فمهما تعددت آراء نواب الحركة فإنهم يصوتون في الغالب في اتجاه واحد. ولقد كانوا أفضل من جسد قول راشد الغنوشي المشار إليه سلف: «عندما نصوت، ترى الأيدي وكأنها جدار واحد، فلا يتخلف أحد» . (51)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت