الصفحة 359 من 434

واللافت للنظر في هذه السجالات هو أن المراقب لها قد يتصور أن أيا من الدين أو السياسة يعد أمر طارئا على الواقع العربي، بالرغم من أن التعايش بينهما مستقر و قائم منذ قرون مضت، بل إن هذا التعايش هو أحد السات البارزة للحضارة الإسلامية، ومع ذلك فإن أحد أبرز مظاهر الأزمة في العالم العربي يتمثل في سوء الإدراك المتبادل بين التيارات الدينية والسياسية المتصارعة، والفكر الاقصائي المتجذر لدى كل منهما حيال الآخر، حيث إن كلا منهما يمر بها يمكن تسميته ب"حالة إنكار"لوجود الآخر بثقافته وأفكاره ورؤاه، ولذا فإن الصراع يتفاقم والأمور تسير باتجاه حافة الهاوية، ولعل من معالم هذه الأزمة أن تجد من يطالب بقيام دولة إسلامية في بعض الدول التي شهدت تغييرات في أنظمة الحكم في السنوات الأخيرة مثل تونس و مصر وليبيا، وكأن الإسلام في مثل هذه الدول، التي لا خلاف على هويتها الإسلامية، لا وجود له، وكأن الناطق بذلك لا يرى مظاهر التدين وآلاف المآذن التي تنطق بهوية البشر والحجر في هذه الدول، وكأن هؤلاء لا يقرؤون دساتير دولهم التي تحوي نصوص قاطعة بأن هذه الدول إسلامية الهوية، وأن هذا الدين الحنيف هو دينها الرسمي.

الإشكالية الرئيسة في الطروحات الداعية إلى ضرورة قيام دولة إسلامية في بعض الدول العربية، هي أن المنادين بها يختبئون خلف هذا المفهوم ويتخذون من الإسلام ستارة التمرير مفهوم أخطر يقصدونه ويستهدفونه تماما، وهو"الدولة الدينية". وثمة بون شاسع بين أن تطالب بقيام دولة إسلامية ودولة دينية، ففي الحالة الأخيرة لا يحق لك أن تتشدق بالحديث عن الديمقراطية ولا غيرها مادمت في مقام سلطة سياسية وقضائية وقانونية مطلقة ومتجسدة في سلطوية دينية قابضة لا موضع قدم فيها لقيم الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية، والأخطر من هذا وذاك أن أنصار وأتباع هذه الدعوات يتبنون فكرة دينية إقصائية متشددة لا ينسجم مع روح المواطنة وواقع الحياة في العصر الراهن، ويضعهم في صدام مباشر مع مواطنين مثلهم ينتمون إلى ديانات ساوية أخرى ليس لها في دينا الإسلامي الحنيف سوى الاعتراف والاحترام والحفاظ على حقوق أتباعها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت