والأمر لا يقتصر في هذه الدول على الصراع مع الآخر الديني، بل يمتد ليشمل الآخر من أتباع الديانة الإسلامية ذاتها، أي مع جماعات إسلامية أخرى. ويمكن في هذا المقام الإشارة إلى الصراع بين السلفيين والصوفيين وجماعة الإخوان المسلمين، بل فيما بين بعض الأحزاب السلفية بعدما فرقت بينها المصالح وطغى صراع السياسة على مبادئ الدين إلى درجة أن من يتحدث أو يبحث عن العقلانية والتفكر العقلاني والحجج المنطقية بات معرض لأشد وأقسى الأحكام التكفيرية التي لا تمت بصلة إلى النص الشرعي.
ومن خلال استقراء تجربة حكم الإخوان المسلمين في مصر يمكن القول: إنها أضرت بالجماعة أكثر مما أفادتها، إذ إن استراتيجية"حرق المراحل"واستعجال الغنائم وقطف الثمار التي انتهجتها الجماعة حين تراجعت عن عدم الزج بمرشح رئاسي في انتخابات الرئاسة المصرية التي أجريت في عام 2012، وقررت المنافسة على أرفع منصب سياسي في البلاد، قد كشفت العورات السياسية للتنظيم، وبرهنت على محدودية قدراته القيادة، كما تسببت في تأكل الكثير من التصورات الذهنية الافتراضية التي ظلت سائدة لعقود حول القدرات التنظيمية للجماعة والخبرات التي راكمتها طوال العقود التي مضت منذ تأسيسها في نهاية عشرينيات القرن الماضي. ولذلك فإن وجود الإخوان في السلطة لم يستمر سوى عام واحد فقط. وبذلك سقط الادعاء بأن جماعة الإخوان المسلمين تمثل النموذج الأكثر حداثة من النواحي الفكرية والحركية قياسا بالتيار السلفي، حيث خاضت الجماعة في مقرها الأم (مصر) تجربة سياسية إقصائية تنطلق من الاستحواذ على السلطة، واحتكار المناصب، والسعي إلى"التمكين"أو ماعرف اصطلاحا ب"أخونة"الدول المصرية، وغير ذلك من ممارسات تتنافي مع مقومات نموذج الحداثة، والالتزام الأصيل بالديمقراطية.
ومن المفارقات في هذا السياق، أن بعض الباحثين يشيرون إلى أن بعض الأحزاب المصرية المحسوبة على التيار السلفي وبخاصة حزب النور، قد حققت تقدم لافت للنظر على صعيد المارسة السياسية الحرفية بحيث استفادت كوادر هذه الأحزاب من أخطائها، وعالجت الكثير من المآخذ التي سجلت ضدها خلال الأشهر الأولى من انخراطها في العمل