الصفحة 89 من 434

وتشير هذه الدينامية إلى بدايات تحول عميق في تفاعل الديني والسياسي؛ إذ إن تراجع الخطاب الديني كمصدر إلهام للفعل السياسي هو تحول لا يمكن فهمه إلا في إطار عملية تفكيك خطاب الهوية والأيديولوجيا لمصلحة القيم المدنية العالمية؛ مثل الحرية، وحقوق الإنسان، والعدالة الاجتماعية، والديمقراطية. لهذا فإن الحراك السياسي لم يکن أيديولوجية، ولم يكن إسلامية كما تزعم بعض الأصوات، حيث لا يمكن لأي تيار إسلامي أن يدعي أن له الفضل في قيادة هذا الحراك أو المساهمة في اندلاعه. فالإسلاميون لم يكونوا في مقدمة الحراك في بادئ الأمر، سواء في تونس أو مصر أو المغرب، وكانت التظاهرات مدنية وغير مؤدلجة، وبالتالي فالحركات الإسلامية لم يكن لها دور بارز في إشعال الحراك العربي، وجاءت إسهاماتها متأخرة في أفضل الأحوال. کما اضطرت کل القوى الإسلامية التي التحقت بالحراك إلى الخضوع والالتزام بالشعارات والمطالب التي رفعتها القوى الشبابية التي أشعلت الثورة. وفي هذا السياق يؤكد صلاح الدين الجورشي أنه «عندما التحم الإسلاميون بمعظم هذه الثورات، تجنبوا في أغلب الحالات التميز بشعارات خاصة بهم، وإنها وجدوا أنفسهم مؤيدين للمطالب العامة التي رفعتها الحركات الاحتجاجية، التي كانت تتعلق بالكرامة والحرية. أي إن الشارع هو الذي استوعبهم وليسوا هم الذين استوعبوا الشارع» . (4)

ارتباك الإسلاميين: المظاهر والأسباب

كان إسهام الإسلاميين في إشعال الحراك محدودة جدا، وذلك بالمقارنة مع قوتهم ونفوذهم الاجتماعي والشعبي. والقاسم المشترك بين العديد من الحركات الإسلامية في تعاطيها وتفاعلها مع بداية انطلاق الحراك العربي هو الارتباك والتردد، فقد فاجأهم زخم الحراك الشبابي ولم يدركوا أهميته و حجم نتائجه وتداعياته إلا بعد أن اتخذ مسارة ثورية لا رجعة فيه. ولعل هذا الارتباك يتجسد في رفض العديد من التنظيمات الإسلامية المشاركة في الحراك عند بدايته، كما هي الحال بالنسبة إلى جماعة الإخوان المسلمين في مصر، حيث رفضت المشاركة في تظاهرة 25 يناير 2011، وحزب العدالة والتنمية في المغرب الذي أكد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت