والحقيقة - بغض النظر عما يتضمنه الحديث عن الجوانب الإيجابية للشرق أوسطية من تسميم سياسي، يستهدف إعادة تشكيل الطابع القومي العربي - أن أصحاب هذا الحديث يتجاهلون أن الشرق أوسطية ليست مجرد سوق اقتصادية حتى يمكن الحديث عن منافع اقتصادية، مع أنه حتى المنافع الاقتصادية يمكن أن تخضع للتمحيص العلمي والتدقيق العياني لكل نشاط أو مشروع اقتصادي يمكن أن يقوم أو ينشأ في ظل مثل هذه السوق المشتركة إذا ما شبدت، كما أن المضمون الاقتصادي للنظام الإقليمي المطلوب بناؤه يسعي في حقيقته إلى تعميق دمج اقتصادات المنطقة في السوق الرأسمالية العالمية، وبما يوفر فاعلية أكبر للبنية الاقتصادية الإسرائيلية، وبما يمكن الاقتصاد الإسرائيلي من تحقيق التفوق في السوق المشتركة، وإن من يعارضون هذا التصور هم في واقع الأمر لا يعرفون واقع الاقتصاد الإسرائيلي وإمكاناته واتجاهات حركته في التسعينيات. وبغض النظر عن هذا الأمر، فحتى إن وجدت جوانب إيجابية للشرق أوسطية فهل يمكن مقارنتها بالآثار السلبية التي يمكن أن تنتجها إقامة النظام الشرق أوسطي على حساب النظام العربي في الصعد السياسية والعسكرية والأمنية والقومية والحضارية والاقتصادية، وخاصة أن الشرق أوسطية في توجهاتها الأمريكية والإسرائيلية إنما تسمح باستيعاب المزيد من المهاجرين اليهود، ومن ثم تثبيت الوجود الإسرائيلي وإضعاف إرادة المقاومة العربية له، وفي الوقت نفسه تسمح لإسرائيل بالتغلغل في المجتمعات العربية من الداخل، وبما يمكنها من تفتيت وحدتها الوطنية (15) .