المسيحية، بيد أن الكنيسة النسطورية الناطقة بالسريانية كانت شرقية النزعة من الوجهة الحضارية والثقافية بمعزل عن نفوذ الأجزاء الأخرى من الإمبراطورية الناطقة باليونانية. وفي عام 410 م، خطت الكنيسة النسطورية خطوة على طريق الاستقلال برفضها الانتساب أو التبعية"للأساقفة الغربيين". حيث انصرف المقصود بالأساقفة الغربيين"ليس إلى روما، بل إلى السلطات البيزنطية ذاتها والتي اعتبرها النساطرة كقوة غربية، ولقد كانت تلك الخطوة النسطورية باتجاه الاستقلال الديني إشارة سياسية واضحة، وإن تزيت بإهاب ديني"
على أن"الرها"لم ترتض احتضان هرطقة وحيدة، فعمدت لاحقا إلى اعتناق هرطقة أخرى توحيدية النزعة، ألا وهي عقيدة الطبيعة الواحدة للمسيح ... تلك العقيدة التي انتشرت، على نحو سريع، في ربوع سوريا في قرون لاحقة رغما عن اعتراض القسطنطينية الشديد، والتي أصرت على الإيمان بالطبيعتين التمايزتين والمستقلتين للمسيح. وبذا، فقد أصبحت العقيدة الدينية اختبارا لمدى الولاء السياسي العتنقها. وقد عكست الطبيعة الهرطقية الراسخة للمسيحية السورية شخصيتها شديدة الاستقلالية. فكما أوضح الباحث الألماني أرتور فوبوس: تفصيح المنابع الأولى المسيحية السورية عن روح وتابة ووعي ذاتي يتوق إلى الاستقلالية، وتصطبغ كل مفحة من صفحات التاريخ بتلك الروح وذلك التوق". وفي بعض كتابات أحد القادة من مسيحيي سوريا الأوائل، نجد"الكراهية لكل ما يحمل الصبغة أو الشعار اليوناني أو الروماني ... فالاستقلالية والحكم الذاتي هما سمتا التوجه السوري المبكر لمفهوم الكنيسة". وتأتي تلك الأحداث جميعا في سياق زمني يسبق الإسلام، والذي سيتبنى بيسر ثقافة معاداة الغرب ومناهضته، بل والإمبراطورية البيزنطية ... تلك الثقافة المنتشرة في أغلب أرجاء إقليم الهلال الخصيب."
على أن الأمر لم يقتصر على"الرها". وبالنظر إلى ما حدث في تدمر، وهي مدينة سورية شهيرة، نجد أنها أجبرت الإمبراطورية اليونانية بالفعل على الإذعان لها خلال ثورة كبرى جرت أحداثها في منتصف القرن الثالث الميلادي، قبل