الانقسام ها بين شرق وغرب، إذ كانت تدمر مصدر تهديد بإعادة صياغة هيكل القوة برمته في شرقي المتوسط. فقد ظلت تدمركمحور تجاري رئيسي في سوريا، نقطة التقاء الحركة التجارية فيما بين بلاد فارس، والهند، والصين، وروما. وقد تبنت تدمر السريانية كلغة لها، بما يعكس ثقافتها السامية المزدهرة وتأثرها بالحضارة الفارسية مثلما هو تأثرها بحضارة روما والحضارة اليونانية، وفي عام 269 م، دشنت زنوبيا، ملكة تدمر الأسطورية، حملة عسكرية كبرى ضد الحكم الروماني. فمن كانت زنوبيا تلك؟ يبدو أنها انحدرت من سلالة ملكية من قرطاج تونس اليوم) - تلك المدينة التي انصهرت في بوتقتها مشاعر الكراهية والعداء
الغريمتها المتوسطية الرئيسية، روما، والتي دمرتها قبل ذلك بعدة قرون.
وفي غضون سنوات قلائل، اجتاحت جيوش تدمر أراضي شاسعة، سوريا بأكملها، ومصر، ونصف الأناضول. وبالفعل، فقد مثلت تلك"الإمبراطورية التدمرية السنوات قليلة - كامل الثلث الشرقي من الإمبراطورية الرومانية، والتي قسمت إلى ثلاثة أقاليم متمايزة. وقد كان يمكن لتدمر أن تخلف الإمبراطورية الرومانية في الشرق، وهو الحدث الذي لو كتب له النجاح آنذاك، كان سيرسخ الحكم المسيحي السرياني/السامي في شرق المتوسط عوضا عن الحكم البيزنطي اليوناني. أما الملكة الجميلة زنوبيا فقد هزمت على أيدي القوات الرومانية حيث أرسلت إلى روما مغللة بأصفاد ذهبية ليتم العفو عنها بعد ذلك وتصبح رمزا رائدا من رموز المجتمع الروماني، على الرغم من سحق إمبراطوريتها منذ زمن بعيد، بيد أن روح الثورة المنتشرة في أجزاء كثيرة من الأراضي السورية ظلت فتية ومتأججة، في مواجهة. روما، وكذلك في مواجهة القسطنطينية، وقد انتهزت الإمبراطورية الفارسية الميزة الاستراتيجية التي صبغت الخلاف داخل الإمبراطورية البيزنطية للقيام بالدعم العلني للمسيحيين النساطرة وإعطائهم حق اللجوء إلى الأراضي الفارسية. وبذاء فقد كان الدين هو أيديولوجية تلك الحقبة، بما له من نور داعم للمصالح الجيوبوليتيكية المتضاربة."