فهرس الكتاب

الصفحة 102 من 377

إن الخلاف السياسي والأيديولوجي والديني مع روما واليونان كان مضمرا في نزوع الثقافة الدينية السورية نحو رؤية أكثر توحيدية للمسيح - لأن يكون ذا طبيعة واحدة (إما إلهية تماما، أو بشرية تماما) - وكذا رفض معتقدات القسطنطينية المركبة القائلة بوجود الثالوث الأب والابن والروح القدس ككيان واحد). وسرعان ما انتشرت عقيدة"الطبيعة الواحدة للمسيح على امتداد مناطق شاسعة: الأناضول، سوريا، المشرق، مصر - حيث حظيت بدعم جماهيري وشعبي كبير، واستمرت قائمة، بلا شك، إلى يومنا هذا."

أما التطور التاريخي لعقيدة"الطبيعة الواحدة للمسيح فلم تكن أقل إثارة"

وقوة. فقد تم احتضان تلك العقيدة من قبل الإسكندرية ... تلك المدينة المصرية التي كانت إحدى أبرز المنافسات للاستئثار بالنفوذ الكنسي في شرقي المتوسط. كذلك، فقد ناصرت الإسكندرية، وبشدة، عقيدة الطبيعة الإلهية الواحدة للمسيح - تلك العقيدة البسيطة يسيرة المأخذ والتي كان لها رواج شعبي كبير في سوريا ومصر والأناضول. أما القسطنطينية، فقد تبرأت من تلك العقيدة خلال أعمال مجمع"أفسوس"الأول في عام 431. بيد أن سياسات الكنيسة ورجالاتها قد سلكت دروبا متباينة، فبعد ثمانية عشر عاما، وخلال انعقاد أعمال مجمع"أفسوس الثاني، حدث تغيير وتعديل ثيولوجي انبني على قاعدة سياسية، فأصبحت عقيدة الطبيعة الواحدة"للمسيح معترفا بها رسميا، كما أصبح هناك من يعتنقها. ومع كل تحول كبير في تبني العقائد المتباينة، تصعد رموز كنسية مؤثرة، وتسقط أخرى، بما كان من شأنه تأجيج الصراع. وخلال الاضطرابات السياسية التي أعقبت ذلك بأربعة أعوام، قامت الكنيسة بتغيير موقفها ثانية بشأن عقيدة الطبيعة الواحدة للمسيح، وذلك خلال انعقاد أعمال مجمع خلقيدونية في عام 451، لتعلن أن تلك العقيدة هي من قبيل الهرطقة والتجديف. ويذا، فقد ظهر رابحون وخاسرون جدل، كذلك، فقد تم عزل بعض الأساقفة الرئيسيين ورموز الكنيسة من مناصبهم، وهو الأمر الذي أدى إلى انعكاسات و عواقب سلبية أثرت على قوة المدن وهيمنتها التي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت