كانت تحتضنهم. إلا أن القصة لم تنته بعد. ففي هذه المرة، ورغما عن الجهود الفائقة المبذولة لإعادة الصياغة الثيولوجية لإحداث نوع من التوافق والمواعمة فيما بين طرفي النزاع، إلا أن أعدادا كبيرة من معتنقي عقيدة الطبيعة الواحدة المسيح رفضوا بتاتا قبول سيطرة القسطنطينية وأحكامها. وفي النهاية، فقد قاموا بشق عصا الطاعة بوجه القسطنطينية، وعمدوا إلى إعادة تأسيس كنائسهم المستقلة، على تنوعها، ليعرفوا بالأرثوذكس الشرقيين، بصفة رئيسية، في الأقاليم الشرقية من الإمبراطورية.
وكما كانت توصيات مجمع خلقيدونية شديدة الوطأة على عقيدة الطبيعة الواحدة للمسيح، فقد اتخذ المجمع أيضا قرارا صادما لروما إذ أعلن أن القسطنطينية هي"روما الجديدة، ومساواتها بروما. وبالفعل، فقد كان القسطنطينية أن تكون"روما الوحيدة في ظل انهيار البقية المتبقية من الإمبراطورية الرومانية في الغرب أمام هجمات الهمج. أما مفهوم روما الجديدة"فلن يفقد صداه الرنان أبدا: فبعد ألف عام، ومع سقوط بيزنطة (الإمبراطورية الشرقية ذاتها، ستنتحل موسكو لنفسها لقب"روما الثالثة، بما يدل عليه من امتداد الإرث المتعاقب للهيمنة المسيحية.
ولقد كانت رموز المسيحية القوية --البابا، وإمبراطور الإمبراطورية الرومانية الشرقية، ومختلف الأساقفة والبطاركة على تعدد مصالحهم لديها في جعبتها الكثير في تلك النقاشات والجدالات من مجرد الشئون الدينية. فعلى سبيل المثال، فإن الخلاف المعتقدي حول طبيعة المسيح وماهيته قد أرسى الأساس لتطلع البابا إلى السيطرة، فإذا كانت طبيعة المسيح إلهية فحسب، فكيف، إذا، يزعم البابا كونه الحبر أو الكاهن الأعظم؟ فلا يمكن أن يكون ثمة كاهن للمقدس ذاته - أما إذا كان المسيح ذا طبيعة بشرية، فمن الطبيعي أن يكون هناك سلسلة متعاقبة بداية من القديس بطرس مرورا بأباء الكنيسة، وحتى البابا ككاهن للمسيح ذي الطبيعة البشرية.