الثقافة الإسلامية، وعلى نحو تدرجي، بالثقافات والتقاليد واللغات والفنون والتجارب وتاريخ الشعوب المتاخمة، بما جعل الإسلام جزءا من الإقليم وليس مجرد صنيعة عربية تم فرضها على المنطقة. أما انصهار الحضارة الإسلامية وتكاملها العميق مع أقدم أقاليم الحضارة في العالم فيشر، وفقا لعدة أوجه، إلى سلسلة متواصلة الحلقات من المخزون الحضاري والتشابه الثقافي والتوجه المشترك. فلم يتحول الشرق الأوسط على يد الإسلام إلى كيان جديد كل الجدة، وإنما أضاف إلى رصيده، على نحو بديع، طبقة جديدة من الحضارة والثقافة المتمثلة في الإسلام، ليراكمها ضمن فسيفساء عميقة الغور بالغة الثراء
لذا، فإن أشكال اندماج الإسلام والحضارة الإسلامية مع تقاليد حضارية وثقافية أخرى تعد جزا هاما من رؤيتنا وفهمنا للمقولة الذاهبة إلى تعانق مسيرة المعطيات الجيوبوليتيكية والمتغيرات الثقافية بالإقليم. فلو لم يكن ثمة إسلام، فإن أغلب تلك القوى والمعطيات كان لها أن تستمر وتبزغ، كما كانت الحال حين ظهر الإسلام وأضاف طبقة جديدة من الحضارة والثقافة إليها. كذلك، فإن الكثير من التوترات الجيوبوليتيكية قد ظلت سارية. ولا شك أن الإسلام كان قادرا على توحيد تلك الأقاليم بنمط حضاري مشترك أثبت قابليته للاستمرار بجدارة حتى يومنا هذا، بغض الطرف عن التغيرات في الخريطة السياسية للإسلام.
كذلك، فقد رأينا كيف كانت الهرطقات المسيحية المتنوعة تعمل كمحركات أيديولوجية للمقاومة المحلية ضد هيمنة روما والقسطنطينية، فمن غير المستغرب إذا، أن نجد مشكلات الهرطقة ذاتها، وقد استمر وجودها في ظل الإسلام، فإذا أخذنا شمال إفريقيا كمثال، لوجدنا أنه بينما توغلت الجيوش العربية السنية بامتداد ساحل المتوسط بالشمال الإفريقي لترسي هيمنة عربية، رأى الأهالي وأغلبهم من البرير بلغتهم وثقافتهم وتقاليدهم المتميزة - هذا المد للهيمنة العربية باعتباره تهديدا إثنيا وسياسيا بالأساس. وكنتيجة لذلك، فعندما تم تدشين أركان الحكم الإسلامي الجديد هناك، عمد البربر إلى اعتناق الفكر الشيعي وأفكار