فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 377

ويحدوني الأمل أن يفضي الطرح القدم بين دفتي الكتاب إلى أن يعيد القارئ التفكير فيما يخص طبيعية الصراع بين الشرق والغرب، والكيفية التي ينظر بها الأمريكيون، بصفة خاصة، إلى سياساتهم الخارجية، على أن عملية اختبار الذات تلك تكون عسيرة على القوى العظمى والتي تعاني صنفا من العزلة وقصر النظر ومحدودية الأفق، إذ تتطلب حيازة درجات عالية من القوة والسلطة التمتع بالمنعة والثقة واليقين، وكذا القدرة على تجاهل المواقف التي تجدها البلدان الأقل شأنا خطيرة ومهددة لها، ومن ثم لا يمكن معها ارتكاب أية أخطاء. فالسياسة الدولية أشبه ما تكون بشريعة الغاب، إذ يكون على الحيوانات الأصغر والأضعف أن تتمتع بدرجات عالية من حسن التصرف، ورهافة الحس، ورشاقة وقع الخطى لضمان استمرارية وجودها بمنأى عن الأخطار ... أما الحيوانات الأكبر والأقوى، كالأفيال، فليست بحاجة إلى التنبه الدائم للعوامل المحيطة، إذ يمكنها التصرف كيفما تشاء وعلى الآخرين إفساح الطريق أمامها

كذلك، ينجم عن امتلاك النفوذ والسلطة قدر من الكبر والغطرسة يكون منبعه الاعتقاد واليقين بامتلاك زمام الأمور، والإيمان بأننا أصحاب المسئولية والقيادة والثقة بالقدرة على الإقناع والترغيب أو الترهيب بيسر ... أو هكذا يتراءى لنا الأمر، وتصديقا لما سبق، جاءت إجابة أحد كبار المسئولين خلال حكم الرئيس بوش عن سؤال بشأن ما يحيط الحروب بالشرق الأوسط من تداعيات، إذ ذكر بثقة بالغة:"نحن نخلق حقائقنا بأيدينا، ولعل مجريات الأحداث خلال العقد المنصرم أبانت بجلاء، وللأسف، صدق مقولته تلك."

وتكمن المشكلة في المنظور الذي يتم توظيفه من قبلنا. إذ تركن واشنطن، ربما كما ركن العديد من القوى العظمى في الماضي، إلى توظيف ما أنحو إلى نعته بنظرية الحبل بلا دنس"فيما يخص الكوارث الخارجية. إذ يعني ذلك إيماننا بأن وجودنا وتدخلنا في تلك الكوارث ما هو إلا امتداد لقيامنا بمهامنا وإدارة شئوننا الخاصة، وسعينا إلى جعل العالم أكثر عدلا وأفضل حالا، لنفاجئ دوما بسيل"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت