إن مشاعر العداء بين الشرق والغرب، والتي تواصلت حلقاتها عبر القرون، قد بلغت ذروتها في المذبحة المروعة التي صاحبت غزو القسطنطينية. فقد كان اليونانيون على يقين بأن الأتراك أنفسهم، إذا كان قد كتب لهم الاستيلاء على المدينة، فلن يكونوا بمثل وحشية أولئك المسيحيين اللاتينيين وعنفهم. لقد أدت هزيمة بيزنطة، والتي كانت بالفعل تشهد انحسارا وتراجعا، إلى التعجيل بالفساد السياسي الذي نجم عنه أن أضحى البيزنطيون، في النهاية، فريسة سهلة أمام الأتراك. إذا، فقد أدت الحملات الصليبية إلى انتصار"الإسلام ... وهي نتيجة كانت، بالطبع، على النقيض تماما مما كانت النوايا معقودة عليه بادئ الأمر".
كان البابا اينوسنت الثالث يدرك تماما ما انطوت عليه تلك الهجمات اللاتينية على القسطنطينية من عواقب مستقبلية كارثية ... ذلك البابا الذي كان طموحه، في الأجل الطويل، أن يعيد أواصر الوحدة واللحمة الكنسية ما بين الشرق والغرب، ولو تحت لوائه وقيادته. بيد أن نهب القسطنطينية قد أبطل أية إمكانية لإحداث مثل ذلك التقارب لفترة امتدت إلى نحو ألف عام، وهو مدى زمني لم يكن ليدركه حينها. فكما كتب البابا نفسه:>
كيف يمكن إعادة الكنيسة اليونانية، التي ابتليت بمثل هذا الاضطهاد، إلى الوحدة مع الكنيسة اللاتينية أو تكريسها للكرسي الرسولي (البابوى) ؛ إذ لم تشهد من اللاتينيين سوي نموذج الخراب والدمار والأفعال الظلامية إلى الحد الذي تمقتهم معه بأكثر مما تمقت الكلاب. ذلك لأنهم من يفترض أن يخدموا رسالة المسيح لا أن يخدموا مصالحهم الخاصة، هم من توجب عليهم إشهار سيوفهم بوجه الوثنيين، تقطر سيوفهم من دماء المسيحيين. إن اللاتينيين لم يحفظوا الدين، ولم بعبأوا بالاعتبارات العمرية وفروق النوع، إذ مارسوا الرذيلة والفاحشة على الملاء وبمرأى ومسمع من العامة، تاركين العقائل، بل والراهبات نهشا ونهبا لبذاءة قواتهم الوحشية وفحشها. فبالنسبة لهم، لم يكن يكفيهم استنزاف ثروات الإمبراطورية وسرقة الشريف والوضيع ... بل كان عليهم بسط أيديهم على كنوز