رحلات الحجيج المسيحيين إلى المدينة. وقد تم خرق ذلك التعايش السلمي لمدة وجيزة عند نشأة الدولة الفاطمية الشيعية، وانتقالها لحكم مصر في بدايات القرن الحادي عشر الميلادي، حيث أمر الخليفة الفاطمي الجديد بتدمير الكنائس وهدم المعابد في أورشليم، بما فيها كنيسة القيامة. وقد أحجم الفاطميون لاحقا عن سياسة الاضطهاد تلك حين أدركوا حجم المنافع الاقتصادية والمالية الكبيرة التي ستعود على الدولة من السماح بإعادة بناء دور العبادة، واستئناف مسيرة رحلات الحج، وتدفق الحجيج إلى الأراضي المقدسة دونما عوائق. وعلى أية حال، فلعل تلك الفترة الوجيزة التي اصطبغت بمشاعر عدائية، ويمظاهر من عدم التسامح - قد أشعلت في الغرب شرارة نيران بدت خامدة، وحركت المياة الراكدة لقضية طال النظر إليها لقرون عديدة على أنها ساكنة هادئة.
أما في الغرب نفسه، فقد كانت ثمة قوي فاعلة جديدة أسهمت كمحفز اجتماعي لتدشين الحملات الصليبية. فقد شهدت أوروبا قرونا طويلة من تعاقب الغارات الداخلية المدمرة، فضلا عن المناوشات، بل والحروب الصريحة فيما بين مختلف القبائل الهمجية التي غزت وطافت أوروبا طمعا في الأسلاب، وفي الوقت ذاته، فقد ولدت الهجمات الانقضاضية على أوروبا على يد الهنغاريين وقبائل الفايكنغ - الحاجة إلى أعداد كبيرة من الفرق المحاربة للدفاع عن حدود أوروبا. وبمرور الزمن، ويتقلص وتيرة التهديدات الخارجية، انحسرت الحاجة إلى تلك الجماعات المسلحة على نحو كبير، إلا أنهم استمروا في تطوافهم وقتالهم لبعضهم البعض، إلى جانب نهبهم للمدن، وانتهاكهم للنظام العام. وقد جاهد البابا طويلا، ولسنوات عديدة، لإيقاف هجماتهم ضد الأهالي، ووضع حد لحروبهم المدمرة فيما بينهم، إذأ، فقد كانت هناك حاجة إلى متنفس لتصريف طاقاتهم العدوانية التوسعية. وفي تلك الأثناء، كانت الهجمات الصليبية ضد المسلمين قد أضحت مألوفة من خلال حملات الفرسان المسيحيين شمالي الأندلس ضد الإمبراطورية الإسلامية في الجنوب، والتي طال حكمها للبلاد طويلا. (إلا أن طرد المسلمين