لذا، فقد كان سقوط الأراضي المهزومة في قبضة المسلمين مبررا مقبولا لما حدث. ولكن، هل كان ثمة شك في أن المغامرين الأوروبيين، في لحظة زمنية ما، لم يكونوا ليقوموا بأنشطة استيطانية وتوسعية مماثلة في الشرق الأدنى، إذا كانت المنطقة بأسرها قد سقطت في أيدي المسيحيين الشرقيين، وليس في قبضة المسلمين؟ إن ذرائع أخرى كانت لتساق، خاصة وقد كانت شتى القوى الملكية الأوروبية تتقدم لتنتزع أجزاء من الأراضي البيزنطية في الوقت ذاته. وبحق، فقد كان يمكن أن تتخذ"المذبحة اللاتينية كمبرر جيد إذا لم تكن أهداف المسلمين الأكثر وضوحا وجلاء قائمة حينها. وبعبارة موجزة، فإن القوي الأوروبية كانت تامة التسليح، موفورة العتاد في تأهبها للانطلاق أينما وجدت. كذلك، كان من المستبعد تماما تصور إعداد حملة صليبية تحت لواء الكنيسة اللاتينية وإرسالها لمواجهة الكنيسة اليونانية، والتي كانت مزدراة من قبل الأولى. وبالفعل، فقد وقع هجوم على الكنيسة الشرقية خلال الحملة الصليبية الرابعة، بيد أن الهدف المعلن كان، بالطبع، مواجهة ما هو إسلامي."
ولقد كان التبادل الثقافي والتفاعل الحضاري فيما بين الإسلام والغرب ينحو لأن يكون محدودا بعض الشيء نظرا لتمسك الطرفين بتراثهما والتصاقهما بمجتمعاتهما. وقد كان الصليبيون مشدوهين بما بلغته الحضارة الإسلامية من رفعة وازدهار، كما أعجبوا بفنون الإسلام الرفيعة ومنتجاته التسجية، والتي كان لها جميعا تأثير جلي في فنون أوروبا وإبداعاتها، وبينما كان ينظر إلى المسلمين بصفة عامة، على أنهم"كافرون"، انبثقت وسط تلك النظرة أسطورة راجت في أنحاء الغرب بشأن القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي، الذي استعاد أورشليم. فقد كان ينظر إليه كتجسيد لصفات النبل والشهامة والفروسية. أما المسلمون، فلم تكن نظرتهم إلى الصليبيين جيدة، إذ اعتبروهم أجلافا يفتقرون إلى التهذيب والصقل نوي رائحة كريهة تنبعث منهم، غير معتادين على ما درج عليه المسلمون من استخدام الحمامات العامة لاعتبارات النظافة وأغراض حفظ الصحة، كما عدوهم