فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 377

أفظاظا في سلوكياتهم ومعاملاتهم

كذلك، فمن المثير ملاحظة أن الحملة الصليبية الأولى قد شهدت أول استخدام للمناداة باعتماد"الجهاد"وتبنيه من قبل المسلمين لصد الغزاة الغربيين. ونشأ ذلك الاستخدام وفقا لما ذهب إليه"على بن طاهر السلمي"-وهو عالم شرعي وفقيه لغوي دمشقي- إذ لم ير الصليبيين بمعزل عن، بل كجزء من، تهديد خطير الحضارة الإسلامية، خاصة وأن تلك الحملات قد تزامنت مع الصراع المستمر الذي دارت رحاه على أرض الأندلس بين الولايات المسيحية الصليبية، وبين تلك الإسلامية. وكانت الحروب الصليبية قد شهدت أول مواجهات متوالية فيما بين المسلمين والغربيين على أراض إسلامية، أما قبل ذلك، فقد واجهت القوات المسلمة على وجه العموم، شعوبا شرقية كان أفرادها يعملون كمرتزقة بيزنطيين. ولقد كانت بيزنطة ملء السمع والبصر، ولكن العالم الإسلامي كان يشرع، بالكاد، في اعتبار التحدي ذي الصيفة الأشمل من قبل الغرب الأوروبي، وكما أرجع البابا مسئولية هزيمة الصليبيين في الحملة الصليبية الثانية إلى خطايا الصليبيين أنفسهم، فقد عزا"السلمي"هزيمة المسلمين خلال الحملات الصليبية إلى ابتعاد المسلمين عن جوهر الدين الحق، وطالبهم أولا"بالجهاد الداخلية أو الجهاد الأكبر"- بضبط النفس وإعلاء القيم الروحية فوق غرائز الإنسان الدنيا للتمكن من قيادة حرب إسلامية ناجحة (جهاد) ضد الصليبيين. وقد صور كلا الطرفين الصراع فيما بينهما على أنه حرب مقدسة متعامين عن مظاهر الصراع الجيوبوليتيكية. ولقد تجاهل القادة المسلمون نداء السلمي للجهاد، ولم يتم الالتفات إلى ذلك المصطلح، وربطه بالغزوات العسكرية إلا بعد سنوات عديدة من الحروب الصليبية حين جسد القائد صلاح الدين تلك الرابطة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت