فهرس الكتاب

الصفحة 137 من 377

إذا، فقد كانت الحملة الصليبية الثانية مبررا دينيا لقيام القوى الجرمانية ببسط نفوذها وإحكام قبضتها الاقتصادية شرقا داخل البلطيق. ولقد أصدر البابا يوجين الثالث، في عام 1147، مرسوما بابويا بخلع قيم روحانية واستحقاقات متساوية على جميع من انخرط في الحملات الصليبية، سواء إلى الأراضي المقدسة أو ضد السلاف الوثنيين.

وفي عام 1242، انطلقت كتيبة من الفرسان الجرمان الكاثوليك باتجاه نوفغورود"، الإمارة الروسية الأرثوذكسية، بالقرب من سان بطرسبرغ"الحالية ولكنها هزمت، حيث حوصر عدد كبير من الفرسان الجرمان كثيفي العتاد في الثلوج خلال معركة دارت رحاها على مياه بحيرة"لادوغا"المتجمدة. وقد تم تصوير تلك الواقعة في الثقافة الروسية الشعبية بأنها واحدة من عدة انتصارات الأرثوذكسية، كهبة من السماء، في دفاعها عن نفسها ضد قوى الشر الكاثوليكية الغازية - وهو مفهوم وتصور راسخ في العقلية القومية الروسية. لذا، فحتى في أوروبا، فإننا نلحظ صراعا جيوبوليتيكيا ثلاثي الأبعاد فيما بين الإسلام، والمسيحية الغربية، والمسيحية الشرقية الأرثوذكسية.

والملاحظ، باستدعاء ما ذكر آنفا، أن البابا هو من دعا إلى كل تلك الحملات والحروب التي امتدت لنحو مائتي عام. فالبابا قد قام بالفعل بالتحريض، وبتوجيه وقيادة التحركات السياسية والعسكرية للأمراء الأوروبيين. ولا نجد مطلقا أدني تشابه حين مقارنة ذلك بالمرجعيات الدينية الإسلامية ورموزها، والذين تنتفي مشاركاتهم في توجيه أية تحركات الجيوش الإسلامية. (فحين اعتلاء الخليفة السدة الحكم، وبخامية خلال القرون القليلة الأولى التي أعقبت نشأة الإسلام، تكون أولى مهامه تدبير الأمر واستخدام نفوذه وقوته الدنيوية) . ولا شك في أن العلماء المسلمين قد باركوا الغزوات العسكرية للجيوش المسلمة، إلا أنهم لم يكونوا أبدا المحرضين عليها، أو الموجهين لدفة قيادتها. وهنا نلحظ، كما شهدنا آنفا، كيف ارتبطت الدولة والكنيسة ارتباطا وثيقا على امتداد الجزء الأعظم من التاريخ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت