ذوي التوجه العلماني لرؤية الأحداث على أنها تمثل ذراع التوسع الغربي، واعتبار تلك الحروب صفحة قاتمة من صفحات التاريخ الغرب. أما المراقبون المسيحيون ذوو النزعة المحافظة، فيعمدون إلى تبنى وجهات النظر التي تبرر التوسع الغربي في الأراضي المقدسة كاستجابة للتحديات الخطيرة التي تهددت المسيحية بفعل التوسعات الإسلامية المستمرة حينذاك. إذا، فإن الجدل الدائر الآن في الغرب حول الإسلام يجد جذوره في استحضار الحوادث التاريخية.
وبالنسبة للمسلمين، فقد كان التحول في المنظور أكثر حدة وأبعد أثرا. فاليوم باقي المسلمون نظرة على الماضي ليروا أن الحملات الصليبية قد اشتملت على أولى بذور النزعة الإمبريالية في سياق السياسات الغربية. وقد وصف أسامة بن لادن، ضمن أخرين، الممارسات الغربية الحالية في الحرب العالمية ضد الإرهاب"بأنها عنوان"صليبي صهيوني"ضد الأراضي الإسلامية. وللأسف، فقد استخدم جورج بوش الابن المصطلح ذاته حين أشار إلى تلك الحروب الصليبية، تلك الحرب على الإرهاب"، في الأسبوع الذي أعقب تفجيرات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001، أما الأوروبيون المدركون لجميع ما انطوت عليه فترة الحملات الصليبية تاريخيا، فقد راعهم استخدام بوش لذلك المصطلح.
كذلك، فلا شك أن رؤيتنا ووجهات نظرنا بشأن الحروب الدائرة حاليا بالشرق الأوسط، يغلب عليها عدم الموضوعية، إذ ترتكن إلى استشعارنا للطرف الذي تأثر واستجاب للاستنفار أو الاستفزاز الأول، في تتابع ارتدادي لانهائي من إلقاء اللوم وتحديد المسئولية - تلك المشكلة الأبدية للسياسة وأحداثها الماضوية، بصفتها مشكلة دائرية قوامها أى العاملين هو السابق، وأيهما اللاحق. إن الإسلام، اليوم، هو اختزال مناسب ومريح لتوصيف التعقيدات الجيوبوليتيكية الهائلة التي انطوت عليها الوقائع الصليبية. كذلك، فإن الحملات الصليبية، اليوم، هي ركن من أركان المنظومة التصادمية فيما بين الشرق والغرب. إلا أننا قد لاحظنا بعضا من أسس ذلك الصدام قبل نشأة الإسلام، والمتمثل في الثورات الإقليمية داخل الامبراطورية