فهرس الكتاب
ويواجه الإسلام، تحديدا، الأسئلة ذاتها: ما الدور الذي يضطلع به القرآن في تشكيل وعي الفرد وفهمه للاسلام، وكذا في صياغة التشريع الإسلامي المنشود؟ ويشترك كل من الإسلام والمسيحية البروتستانتية في الاهتمام بالأفعال ونتائجهاء أي الاهتمام بتطبيق القيم الدينية وما لها من آثار اجتماعية، وليس في المظاهر الثيولوجية التجريدية فحسب.
تعد الكالفنية، بجانب"اللوترية ومجددي العماد"، إحدى الحركات الثلاث
الرئيسية للإصلاح البروتستانتي. وقد خاض"جون كالفن"-مؤسس الحركة تجربة دينية ذاتية عميقة تغلب عليها النزعة الصوفية، دفعته بقوة نحو اعتناق الأفكار ذات الطابع البروتستانتي. وقد ورد عنه أنه قال:"لقد أخضع الرب روحي وجعل نفسي سلسة القياد بالهداية المفاجئة. وكان كالفن"مؤمنا بأن أمامه"مهمة مقدسة"كأداة للرب لإحياء الإيمان والروحانيات في العالم. ونظرا لاعتباره مهرطقا في فرنسا الكاثوليكية، فقد التجأ"كالفن إلى جنيف، والتي كانت تجاهد آنذاك القوى الخارجية الطاغية رغبة في نيل استقلالها. وفي عام 1539، اتخذت المدينة ثلاثة قرارات راديكالية مباغتة: إلغاء الأديرة، وإبطال إقامة أي قداس ديني ورفض الخضوع للهيمنة البابوية. وقد أيد"كالفن بشدة فكرة الحاكمية بالمدينة أي قيام رجال الدين البروتستانت بتولى مقاليد الحكم ثيوقراطية بالمعني الحقيقي وكأنما كان رائدا وسابقا لما سيفعله آية الله خوميني بعد ذلك بعدة قرون في إيران من تقرير للحكم وفقا"لولاية الفقيه. كذلك، فقد جاهد"كالفن على مدى أربعة عشر عاما لاستمالة القادة في جنيف وإقناعهم بفكره، كما جاهد ليسط هيمنته على عقيدة كنيسته، والتنظيم الذي تعتمده، والمناحي الأخلاقية لها. ونلمس هنا ما يشبه التمهيد أو الأساس الذي سوف ينتهجه الفكر الوهابي في شبه الجزيرة العربية فيما بعد. وقد أرسى"كالفن"ما يمكن تسميته بمدينة الرب"في جنيف، ونادى بأن يكون الإنجيل مصدرا لجميع التشريعات والقوانين المجتمعية فيما يشبه اتجاهات وأفكار الإسلاميين الداعية لاعتبار القران المصدر الوحيد"