فهرس الكتاب
ولعل الفصيل الأكثر راديكالية من بين فصائل البروتستانتية الثلاث خلال حقبة الإصلاح الديني كان فميل مجددي العماد"، والذين يشاطرون الكثير من الإسلاميين التزاما جادا وقويا بالعمل الدعوى أو التبشيري. إذ يعني تجديد العماد"إعادة تعميد المرء بخلاف تعميده الأول حين مولده، فوفقا لهذا الفصيل تبدو فكرة"التعميد"غير ذات معنى ما لم تمثل قرارا واعيا من قبل المره البالغ لإرساء رابطة ذاتية جديدة مع خالقه. وقد نادي الفصيل بإعادة"تعميد"البالغين، الذين سيكونون -حينئذ- على وعي تام بطبيعة قرارهم لإرساء الرابطة. كذلك، فمن الأمور الرئيسية التي يحتضنها فكر مجددي العماد"- تفعيل قوة المرء وإرادته، ورفض التقليد، والذي غالبا ما يكون محاكاة للأعراف العائلية المتوارثة بشأن الدين، بل وفي انتقال المعتقد الديني من جيل إلى جيل تال، وقبول ذلك دونما أدني تفكير أو تدبر، وبالمثل، ووفقا للعديد من الأصوليين الإسلاميين، فإن انتقال المعتقد الديني بالوراثة لا يكفي، فالمرء الذي يدرك ويتفهم طبيعة التزامه كمسلم، عن طريق دراسة النصوص الدينية هو الوحيد الذي يمكن إدراجه في عداد المسلمين بحق. وقد اشتهر مجددو العماد"، مثلهم في ذلك مثل الأصوليين الإسلاميين، بمعرفتهم العميقة للنصوص الدينية. وقد بلغ هذا الفصيل ذروة الراديكالية أثناء ثورة مونستر"التي دامت لثمانية عشر شهرا، والتي ذكرناها آنفا في مفتتح الفصل الحالي."
وتساعد الأحوال الاجتماعية المشابهة في توليد ردات فعل دينية مماثلة عبر مختلف المجتمعات. قمن بين عناصر الاهتمام المكثف إبان الإصلاح البروتستانتي بما يرتبط بالثيولوجيا، كانت القوى السياسية والاجتماعية هي المحركات التي دفعت تلك الحركة قدما. وكان هذا عصر التغيير الكبير: فقد شهد انهيار النظام الإقطاعي وما ارتبط به من ظلم اجتماعي واقتصادي، كما شهد نشأة المدن ومولد نمط حضاري جديد للحياة بمنأى عن الأعراف الإقطاعية، وهو مناخ ساعد في انبثاق قيم بورجوازية جديدة، وتنامي التأكيد الواعي على احترام حقوق الأفراد.