إن معظم حالات"حدود الإسلام التي ستوردها تباعا، لا تنصرف، حقيقة إلى الحدود ذاتها، وإنما إلى العلاقات التي تربط المسلمين بالغير داخل الحضارات غير الإسلامية باعتبارهم أقليات دينية. ففي كل منحى وشأن، أرسى المسلمون دعائم علاقات مميزة للحياة بجوار غير المسلمين. بيد أنهم لم ينحرفوا قط عن مبدأ مهيمن وذي سطوة: التمسك الشديد بمعتقدهم الديني، واحتضانه، وحمايته ورعاية المجتمع المسلم داخل حدود البلدان ذات الحضارات غير الإسلامية. وذلك يعني الرفض الشديد للتخلي عن الهوية الإسلامية المميزة لهم، وكذا مقاومة امتصاصهم أو استيعابهم بحيث تتلاشي حضارتهم وتذوى. على أنه لا يفهم من ذلك أنهم لن يندمجوا بالكامل كمواطنين فاعلين منخرطين في نسيج مجتمعاتهم. وبالمثل، فقد مر اليهود بتجربة مشابهة إلى حد بعيد على امتداد تاريخ صراعهم الحماية مجتمعاتهم، والحفاظ على الطابع الفريد لحضارتهم المميزة عن طريق المقاومة الواعية لمحاولات استيعابهم وتذويبهم، ومن ثم اندثارهم بالكلية، ونلحظ كذلك، قدرة المسلمين الفائقة على التعايش مع غير المسلمين، بل ومشاركتهم في التلاقح الثقافي البيني في مجتمعات تفتقر إلى روح التعددية الثقافية. وفي تناولنا للحالات الأربع، نلمح استراتيجيات إسلامية متعددة: التواؤم، والانصهار، وأحيانا المقاومة حال التهديد، مع إدراك كامل لحقيقة كون المسلمين أقلية في تلك المجتمعات."
على أن مصطلح الحدود الدموية لا يخلو من بعض وجاهة، إذ يذكرنا هانتنجتون -وإن سبقه آخرون- أنه وعلى امتداد التاريخ، فإن"الحضارات"يمكنها بالفعل أن تمثل خطوطا فاصلة". فالخطوط الفاصيلة هي، في حقيقة الأمر، أية حدود"يمكن أن تنفجر إلى صراع: يمكن أن توجد بين العشائر، وفي القرى أو
الأقاليم، أو الدول، أو فيما بين القارات والحضارات.
كيف، إذا، للحضارة أو الجماعة أن تتجانس أو تماسك؟ يعتمد هذا على الأحوال المحيطة، إذ يمكن أن تتشظى أية جماعة، في ظل ضغوط بعينها، إلى