فهرس الكتاب

الصفحة 185 من 377

به من حكم ذاتي آنفا. بيد أن الكنيسة الأرثوذكسية كانت تستعد، آنذاك، لاريهة قرون طوال من التعايش في ظل الإمبراطورية العثمانية ... ذلك التعايش الذي سيعمل على تغيير كل منهما.

وفي الوقت ذاته، فقد تجشمت الكنيسة تكلفة حضارية باهظة. فبالرغم من تمكنها من تسيير أمورها وفق سلطة دينية قوية في ظل الإمبراطورية العثمانية، إلا أن نفوذها السياسي، الذي جرد من مؤازرة دولة أرثوذكسية أيا ما كانت، قد تم تقليصة على نحو كبير. وفي ظل الإمبراطورية العثمانية، زادت عزلة الكنيسة الأرثوذكسية، وتقلصت روابطها بالاتجاهات الثقافية والدينية السائدة في الغرب آنذاك. كذلك، فقد أضحت الكنيسة أكثر انطواء على ذاتها، وواصلت اتجاها تراجعيا سابقا من قضايا وأمور ثقافية و"عقلانية"لتمثل ما كانت تصطبغ به الأرثوذكسية كسمة مميزة غالبة - أهمية الإيمان والبعد الديني في الحياة

الروحانية للفرد. وفضلا عن ذلك، غلب على الكنيسة شعور عميق بالثنائية ما بين المسيحية الشرقية والمسيحية الغربية. فوفقا للرؤية الأرثوذكسية، تصطبغ الكاثوليكية اللاتينية والغرب"بالمظاهر المادية والعقلانية (تغليب قيمة العقل وإعلاؤها على الإيمان والروحانيات) وكذا بالنزعة الفردية الخالصة، ناهيك عن الفساد الناجم عن العلاقة وثيقة العرى ما بين الكرسي البايوي والكنيسة من جهة، والسلطة السياسية الدنيوية من جهة أخرى ... تلك العلاقة التي أفضت إلى حواء روحاني عميق، فالكنيسة الأرثوذكسية ترى روحانياتها بأنها انبثاق مباشر من التعاليم المبكرة للمسيح نفسه، والتي لم تلوث بفعل سياسات الكنيسة اللاتينية والكرسي البابوى. إذ دائما ما كان ينظر إلى روحانيات وأخرويات الأرثوذكسية بأنها تمثل ما كان يفتقر إليه الغرب المفصح عنه، باستحقاق وجدارة، في جدبه وخوائه الروحاني". وتهيمن تلك الأفكار بقوة على روح الأرثوذكسية وعقلها، وتبقى حاضرة في بلاغاتها الخطابية"إلى يومنا هذا."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت