فهرس الكتاب

الصفحة 188 من 377

أي مدى تاريخها، بل عمد العثمانيين إلى الحفاظ عليها كحق لهم.

الشكوك الأرثوذكسية الروسية إزاء الغرب

منذ أن انحاز الوثنيون الروس الأوائل إلى المسيحية الشرقية الأرثوذكسية بتفضيلهم إياها على المسيحية الكاثوليكية، شرعت الكنيسة الأرثوذكسية في صبغ روسيا بقوة بطابعها الحضاري والثقافي، وتضمن هذا مهمة روسيا الجديدة المتمثلة في خلاص البشرية وانعتاقها عن طريق نشر المعتقد الإيماني الحق. وقد انتشرت عدة مظاهر إيمانية جاءت لتصبغ الثقافة الروسية: الينابيع الأصيلة للتصوف الروسي، تقاليد الإيمان الصوفي وأعرافه، القديسون وتجوالهم، الإيمان بزهد الفلاح الروسي وبساطته ... بما يشبه زهد المسيح وبساطته، وكذلك نقاء الروح الروسية وأصالتها، فضلا عن مهمة روسيا الحضارية التنويرية. وقد اجتمعت العوامل السابقة جميعها لتعضيد المعتقد الراسخ لدى المؤمنين الأرثوذكس بشأن التفوق"الروحاني المعتقدهم وكنيستهم بالمقارنة بالغرب المتسم بالوحشية، والنزعة التوسعية، والمادية المفرطة، والحرص المبالغ فيه، والطابع الفردي، ومظاهر الفساد ... ذلك الغرب في تعطشه الأيدى لحيازة القوة في عجب وخيلاء. وقد تنامت تلك المظاهر التي اصطبغ بها الإيمان الشعبي الروسي لاحقا خلال القرن التاسع عشر في مناهج التفكير الفلسفي الروسي في تمجيدها للرؤية العالمية للأرثوذكسية وشمولية السلافية وعالميتها."

وإلى اليوم، تبقى روسيا تعاني ازدواجية تجاه الغرب - وهو جانب من صراعها لتأكيد هويتها. فلطالما اصطدمت الآراء والمشارب الموالية للغرب مع تلك المناصرة للعنصر المحلي، ذلك الصدام الذي اتخذ، لاحقا، شكل الصراع بين"المستغربين"الروس، وبين عاشقي السلافية"، إذ كان"عاشقو السلافية يمثلون رؤية رومانتيكية للحضارة الروسية وأعرافها الروحانية الفريدة في مواجهة الغرب بوحشيته وماديته. وقد كان هذا الخوف مبررا: فبعد أن انحسر التهديد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت