للغاية، فالرأي عندي أن الإسلام لم يكن قط العامل الرئيسي، بل ولم يكن العامل الثانوي، المسبب لتلك الظاهرة. فإذا ما أردنا التعرف إلى العامل أو العوامل المسببة صار لزاما علينا توجيه البحث عبر أقنية بديلة. وحالما ولينا وجوهنا تلقاء اتجاه مغاير، راعنا العدد الضخم والتنوع الشاسع للقوى البديلة المؤثرة بالفعل في علاقات الشرق والغرب.
كذلك، أود أن أؤكد على بعض النقاط الإضافية في هذا الصدد. أولا، توجد لدى الغرب نزعة لاعتبار الإسلام غريبا أو دخيلا أو بعيدا عن الرقي والتوجهات الغربية. وهنا، فإنني أسعى لأن أنزل الإسلام منزلته في سياق الشرائع الأخرى وبخاصة اليهودية والنصرانية. ولدرجة مذهلة للغاية، ينبع الإسلام من تقاليد عريقة وضاربة بجنورها للفكر الديني للشرق الأوسط، بما في هذا الفكر من هرطقات متعددة. ويأتي الإسلام كجزء حيوى ولبنة تكاملية في إطار البنيان الديني الشامل إذ يجد مكانه المناسب، بيسر وتلقائية، ضمن قوى عديدة سبقت ظهوره.
وترتبط النقطة الثانية بالعلاقة ما بين الدين والسلطة والدولة، إذ أرى أن الارتباط الوثيق بين الدين والدولة على امتداد تاريخ الغرب في أغلب مراحله كان له من التأثير في النصرانية والتاريخ المسيحي ما يفوق تأثيره في الإسلام والعالم الإسلامي. وتصبح قضية"الهرطقة على قدر بالغ من الأهمية في هذا الصدد، إذ أنظر إلى الهرطقة - الآراء الدينية غير المقبولة من السلطات بما تمثله، على وجه العموم، كمحرك وقاطرة للمعارضة السياسية للدولة على المستوى الجمعي. لذا، فحين نقوم بدراسة قضايا الخلاف الديني، إلى أي مدى يمكننا أن نعتبر أنفسنا نتحدث، في الحقيقة، عن العلاقات وموازين القوى؟"
كذلك، فإنني أسعى إلى أن أوضح كيف سلك الإسلام في نشأته دروبا تطابق -أو تكاد- وتلك التي سلكتها النصرانية، وإن لم يكن في المناحي كلهاء وتشير الملاحظة السابقة إلى أن معظم الأديان تسلك مسارات بعينها حين يرتبط الأمر