وتصبغها بالصلاح والتقوى، ويكون المرء في ذلك ساعيا أن يصبح"عبدا ربانيا"في مختلف مناحي حياته. إذ يمكن أن يأتي خلاص المرء وانعتاقه في هذه الحياة الدنيا، لا أن يؤجل إلى الحياة الآخرة - إذا حررت الروح القدس"المرء من الخطيئة، وغمرت النفس بالروحانيات". إذا، فالطقوس والشعائر الدينية قد أريد بها أن تملا القلوب بكلمة"الرب، وأن تثير المشاعر والحواس من خلال حرق البخور، وسماع الألحان الروحانية، ورؤية الإيقونات، والاستمتاع بالأردية والملابس الطقوسية، واستشعار السعادة والوجد، واستحضار"الرب"في حياة المرء، وتزكية النفس بالتأمل"الروحاني، والاقتراب من العمق الإيماني، وتلمس الطاقة الروحانية المقدسة والنهل من معينها خلال الحياة الدنيا، وعدم الانتظار للتمتع بها فقط في الآخرة ... في المجمل، إنها تجربة دينية يراد بها إنعاش الروحانيات لدى المرء. ويؤمن معتنقو الأرثوذكسية أن الخصائص الروحانية للكنيسة يتم تحجيمها وتهميشها في المناخ العلماني الدنيوي الجارف، والذي تحيا فيه الكنيستان الكاثوليكية والبروتستانتية في الغرب، واللتان تذهبان، في بعض الأحايين، إلى الاهتمام بالصرعات الاجتماعية ونزعات الممارسات السياسية المختلفة. ويذهب الباحث الأمريكي"نيقولاي بترو"إلى القول بأنه"إذا ما قدر لأوروبا القرن الحادي والعشرين أن تتزيا بإهاب ديني، فسيكون هذا الإهاب، بالأساس، متمثلا في المسيحية الأرثوذكسية الشرقية، في إشارة منه إلى نزعتها الروحانية الغالبة"
إن الصدع القائم بين المسيحية الأرثوذكسية والمسيحية اللاتينية هوصدع بعيد الغور عميق المدي، وهو أقدم من ذلك الصدع بين الإسلام من جهة، والمسيحية من جهة أخرى. وقد تأثر كلا الصدعين، على نحو كبير، بالاعتبارات الجيوبوليتيكية للهيمنة والنفوذ، وقاما بتوظيف الدين كرمز، أو بالأحرى كمحرك لذلك التنافس وبالقطع، فإن هناك تباينات عقدية عدة، إلا أنها قد اتخذت أشكالا جديدة حين تم ربطها بالبلدان المتصارعة وبقوى المشاعر القومية المتأججة.
ولعل المثال الأوضح والذي يعكس أصداء أمثال تلك المشاعر هو الطيف الديني