الحالتين، يبدو جليا كيف طغى الأثر السياسي وهيمن على القضايا الدينية. وهنا أيضا، فقد مثل الدين محركا لإعطاء الزخم وقوة الدفع المطلوبة. ونلحظ في هذا الصدد، كيف أدى فقدان الدولة أو الكنيسة للهيمنة على الاعتبارات الدينية إلى نشأة موجات متعاظمة من المراديكالية في كل من المسيحية والإسلام.
كذلك نعاين بعض الأشباه والنظائر المذهلة في القضايا الخلافية بين الأرثوذكسية والكاثوليكية من جهة، وبين النصرانية والإسلام من جهة أخرى. وتتضمن تلك القضايا، المظالم التاريخية، ووجهات النظر المتباينة حول دور الكنيسة والدين في المجتمع، وطمس القيم الخاصة والعامة وتشويهها، والعلاقة فيما بين الدولة من جهة، والكنيسة المسجد من جهة أخرى، والجدل الدائر حول طبيعة العلمانية"وإدراجها ضمن فعاليات العالم المعاصر. وتعلو صراعات القوي، وكذا الأحقاد والضغائن، فوق الاعتبارات والقضايا الدينية وتهمشها ... تلك الاعتبارات التي غالبا ما تبدو في حد ذاتها وبالمقارنة غير ذات بال."
ثم يلج الكتاب ليختبر ما ذهب إليه العالم السياسي"صموئيل هانتنجتون"في إشارته إلى الحدود الدموية للإسلام، والتي ساقها في مقالته وكتابه ذائعي الصيت"صراع الحضارات. فعن أي شئ تتحدث بالفعل هنا؟ أتناول بالبحث والدراسة عناصر العلاقات الباهرة فيما بين الإسلام من جهة وأربع من الحضارات العظمى، والتي كان الإسلام وثيق الصلة بها عبر أجال ممتدة، وهي: أوروبا الغربية، وروسيا الأورثوذكسية، والهند الهندوسية، والصين الكونفوشيوسية. وفي كل من تلك العلاقات على حدة، توصل الإسلام والحضارة المعنية إلى أوضاع توافقية ذات طبيعة متشعبة ومتجددة، كذلك فقد تم التلاقح فيما بين تلك الحضارات. وتبرز تلك الحضارات صورة أكثر دقة عن الكيفية التي أدار بها المسلمون بالفعل تعاملاتهم مع الحضارات والأديان الأخرى ... بأكثر مما يتم تصويره في سيناريوهات المواجهة شديدة التبسيط ذات الطابع المخاتل."