فهرس الكتاب

الصفحة 213 من 377

المجددون

دائما ما كان المسلمون في روسيا يناضلون من أجل تحقيق هدفهم المتمثل في نيل اقصي استقلال ثقافي وحضاري ممكن، بيد أنهم كانوا يحيون أيضا داخل روسيا التي كانت بدورها تشهد غليانا ثقافيا وسياسيا كبيرا. إذ أدرك المسلمون صعوبة أن ينعزلوا بمنأى عن الجدالات المثارة حول قضاياهم وأمورهم الهامة. ومع اقتراب منتصف القرن التاسع عشر، انبثقت أول حركة إصلاح جدية بين صفوف المسلمين في روسيا- وهي حركة المجددين"، والتي سعت إلى تجديد هيكل المجتمع المسلم هناك. وفي حقيقة الأمر، فإن حركة"المجددين"كانت واحدة من أهم حركات الإصلاح الإسلامية المبكرة على امتداد العالم الإسلامي، والتي عكست ومثلت طبيعة التشابك الحضاري والثقافي مع المجتمع الروسي."

ولقد أكد"المجددون على الأهمية البالغة للتعليم، وعلى ضرورة تضمين المناهج الدراسية موضوعات وموادة عملية كالرياضيات والعلوم، وفي هذا الإطار، انتشرت المدارس، وأصدرت صحف جديدة، وشرع في ترجمة الكتب إلى اللغات المحلية. بيد أن السلطات الإمبريالية الروسية قابلت تلك الحركة بقلق وعدم ارتياح، خوفا من انتشار أفكار ومبادية ذات صبغة هدامة أو انفصالية أو داعية لعالمية إسلامية جامعة، حتى ولو ارتبطت بعناصر ومقومات المجتمع الروسي الليبرالية. كذلك، فقد انبثقت المعارضة ضد حركة المجددين من عناصر"الصفوة الإسلامية القديمة في المجتمع، والتي يغلب عليها الطابع الإقطاعي ... تلك"الصفوة التي كانت تخشى أية حركة أو أي تجمع يهدف إلى تكوين طبقة أو صفوة جديدة بواسطة التعليم والإعداد والتمكين، مما ينجم عنه بالضرورة تغيير الهيكل الاجتماعي المتحجر، وبالتالي الإضرار بمصالح الصفوة"القديمة القائمة. وقد كان هذا هو هدف"المجددين بالفعل، ولكن دونما التجاء إلى الثورة أو العنف. بل لم يعمد هؤلاء المجددون إلى تبني"أجندة انفصالية أو الترويج لها، إذ سعوا إلى تثبيت أركانهم وتقوية شوكتهم في إطار من الهيكل السياسي الروسي الأشمل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت