الإمبراطورية الرومانية، قام الإسلام بربط أطراف نائية من العالم، المعروف حينذاك، من خلال ثقافة إسلامية مشتركة، كانت فيها العربية، والفارسية مجتمعتين اللغة المشتركة لعناصر الإمبراطورية الإسلامية ورعاياها. إلا أن ضعف تلك الروح الجامعة قد أدى إلى تقزيم وضعور ما كان ذات مرة مجتمعا ثقافيا يتسم بمهارات البحث الثاقب، وبالانفتاح على الآخرين. بل لقد نشأ أيضا صراع، حينذاك، فيما بين اتجاه محدود الأفق يتقيد بالتأويل الحرفي لنصوص العقيدة، وبين أخر يتسم بوجه حضاري رحب الآفاق.
إن ضمور كل من القوة الثقافية، وحب المعرفة، والتعطش إلى مصادرها - بفعل انطفاء الحماسة الحضارية دونما أية مدخلات ثقافية - قد أدى إلى تصدع بنيان التفكير الإبداعي في الثيولوجيا الإسلامية، والفلسفة، والعلوم، والمخترعات. إذ هيمنت الطقوس، والشعائر الدينية، والأحكام الشرعية وفقا لمفهوم ضيق الأفق على ما اتسم به الإسلام من تلاقح فكرى وتقافي مثمر، وطابع بحثي مميز. فالفكر المتحجر قد أخمد تلك الروح الإسلامية التاريخية، والتي كان تناولها للنصوص الدينية بالتدقيق وإنعام النظر متاحا خلال قرون سابقة. وقد ظهر ذلك الضمور المعرفي لدى المسلمين جليا في انهيار الريح العلمية لديهم، وكذلك، وعلى نحو أكثر حدة، في الشعور السلبي العام، واللامبالاة تجاه التطورات التقنية والعلمية اللاحقة في الغرب - إلى أن تصل تلك التطورات إلى عتبات أبواب المسلمين، وتسيطر على أفكارهم. كذلك، فإنه حتي إزاء التحديات الغربية، فقد نظر الكثير من المصلحين الإسلاميين للغرب على أنه مستودع أو خزائن التقنيات الحديثة، دونما إدراك من قبلهم الفكر المبذول على الجانب الثقافي والإبداعي لتسيير تلك التقنيات.
كذلك، فقط اضطلعت عوامل جيوبوليتيكية خارجية هامة بدور رئيسي في تراجع العالم الإسلامي على النحو الذي نشهده. فالغزوات المغولية الوحشية بادية الشراسة، والتي انفجرت من السهوب المغولية في القرن الثالث عشر الميلادي، قد طمست العديد من المراكز الحضرية الإسلامية الكبرى - أعداد كبيرة من المدن،