فهرس الكتاب
بمصالح المستعمر وماريه.
كذلك، فقد تم الحط من شأن العلماء ومكانتهم في ظل الحكم الكولونيالي. وتم إضعاف شوكة المؤسسات الإسلامية ذات الصلة بالحكم في المستعمرات، وخاصة بالنظام القانوني حيث أضحى دورها محدودا، أو تم القضاء عليها بالكلية. أما العلماء، فقد عهد إليهم، من خلال التفويض، ببعض النواحي الهامشية فيما يتعلق بإدارة الحكم مثل قانون الأسرة، وقانون الأحوال الشخصية. بيد أن تنحية العلماء"عن مسيرة الحكم والتشريع قد عمل على توجيه ضربة قوية للمؤسسات الإسلامية، وقدرتها على النهوض والحداثة في ظل الأحوال المعاصرة. كذلك، لم يكن بإمكان الأعراف المحلية للحكم أن تنمو على نحو طبيعي ملائم، وأخذت المؤسسات الإسلامية، والتي تم إبعادها عن آليات الحكم الاعتيادي، في التدهور والضمور، ولم بعد بإمكانها أن تفي بمتطلبات تلك المجتمعات النامية وآمالها، وقد خلف ذلك كله كيانا لإدارة البلاد وحكمها يتسم بالجمود مما جعله مصدر استياء في المستقبل حين جاهد لإرساء علاقات قوى جديدة في تلك المجتمعات بعد نيلها لاستقلالها."
ولقد كانت التجربة الجزائرية مثالا صارخا من حيث بعدها الثقافي، فلقد قامت فرنسا يضم الجزائر إليها، وتوطين عشرات الآلاف من الأوروبيين بها. وفي هذا الإطار، انبثقت صفوة إدارية حاكمة جديدة كل الجدة تعتمد اللسان الفرنسي في جميع تعاملاتها، وتربطها بالسلطات الكولونيالية أواصر متينة للغاية. وقد اشتملت رؤى تلك الصفوة ووجهات نظرها على تبني عناصر عديدة تنتمى للثقافة الفرنسية، وبذلك فقد أصبحت، يوما تلو الآخر، غريبة عن الجذور العربية للجزائر المحتلة. وفي نهاية المطاف، أضحت تلك الصفوة قنبلة اجتماعية موقوتة في ذاتها. وبصفة عامة، فإن عملية التثاقف تلك مع المجتمع الفرنسي الأكثر تقدما على الصعيدين التقني والإداري، كان يمكن أن تعمل في صالح الجزائر، ولكن في أعقاب ثمانية أعوام وحشية من الصراع المسلح لنيل الاستقلال عن فرنسا، وجدت تلك الصفوة المتفرنسة نفسها في موقف متضارب: هل يعتبر أفراد تلك الصفوة