الأقنية الراسخة ... إذا فقد كان الإسلام، في حداثته وكذا في وهجه والقه الحضاري المذهل، ثمرة محيطه الأرحب.
شبه الجزيرة العربية
لم تكن شبه الجزيرة العربية موضعا يعاني العزلة، بل تفاعل مع موجات التيار الفكري الهائلة السائدة آنذاك. ولقد كانت اليمن، إلى الجنوب الغربي من شبه الجزيرة، مهدا لواحدة من أقدم حضارات الشرق الأوسط، بل ربما الموطن الأصلي للشعوب السامية جميعا. لقد ارتحلت القبائل السامية في وقت جد مبكر من اليمن باتجاه بلاد الرافدين حيث بسطت هيمنتها على المملكة السومرية قبل ميلاد السيد المسيح وأحالتها حضارة سامية. كذلك، كانت هناك حركة تجارة رائجة التوابل والمنسوجات امتدت لتشمل سواحل البحر الأحمر ومصر، وكذلك البحر المتوسط حيث كانت هناك علاقات ذات طابع نوري مع الفينيقيين منذ أقدم العصور. فقد زعم أن ملكة سبأ أقامت في اليمن وربطتها علاقات مع مملكة أكسوم المسيحية في الحبشة. وقد كان للنصارى واليهود مجتمعات ممتدة في اليمن، كذلك كان للفرس وجود بها في حقبة من الزمن.
وفي الشمال، وعلى امتداد ساحل البحر الأحمر وعلى مقربة منه، تقع مكة إحدى أهم المدن بشبه الجزيرة، والتي يرجع تاريخ نشأتها إلى أكثر من أربعين قرنة. وفي التاريخ القديم، لم يرد ذکر «مكة» إلا لمامأ إلى أن بعث النبي محمد. وقد أصبحت مكة مركزا تجاريا هاما على امتداد البحر الأحمر وطريق التجارة مع سوريا. ولقد عاشت مجتمعات اليهود الكبيرة في غير مدينة من مدن الحجاز، ويخاصة يثرب. وإلى الشمال، تقع الأراضي المسيحية من الإمبراطورية البيزنطية وما تضمه من مراكز هائلة في الأراضي التي تعرف اليوم بسوريا والأردن.
لقد احتضنت شبه الجزيرة العربية مختلف دياناتها التقليدية والمتمحورة حول آلهة محلية أو قبلية تماثل تلك المعروفة للشعوب السامية الأخرى، بمن فيهم اليهود