الأوائل. أما عبادة تلك الآلهة، فقد تركز معظم طقوسها حول الكعبة في مكة، والتي كانت موئلا لنحو ثلاثمائة وستين تمثالا للآلهة، من بينها تماثيل للسيد المسيح والعذراء مريم. وقد منحت مزارات العبادة تلك مكة سطوة وحظوة اقتصادية فضلا عن قوة سياسية كبيرة. وبذا، آل لمكة أن تحكم قبضتها وتبسط سيادتها على تجمع قبلي عظيم بهدف الإشراف على السياسات القبلية البينية المعقدة بشبه الجزيرة، وكذا تحجيم الحروب والصراعات القبلية الممزقة للأواصر والمفتتة للحمة الوشائج وكنتيجة لذلك، أبرمت مكة معاهدة تعاون مع بيزنطة لتيسير انسياب حركة التجارة خلال ربوع الإقليم. ولقد كان رخاء مكة وازدهارها سببا مباشرا فيما استجد من توتر سياسي و اجتماعي بها، حيث تداعت أركان البنيان القبلي القديم وهياكله وكذا علاقات التكافل والدعم فيما بين ذوي القربى والأرحام، وذلك بفعل نمو اقتصاد سوقي مزدهر ... إذا، فقد كانت القيم الاجتماعية القديمة تنحو إلى المغيب التفسح المجال لقيم جديدة لتحل محلها وتملأ فراغ غروبها.
تلك كانت طبيعة المنطقة من المنظور الجيوبوليتيكي والثيولوجي، إلى أن جاء عام 610 من ميلاد السيد المسيح ليشهد إرهاصات الوحي الإلهي للتاجر المكي محمد، والذي كان آنذاك في مقتبل العمر ... ذلك الوحي الذي أضاف فصلا جديدا إلى فصول الفكر التوحيدي. ولقد تيتم محمد منذ الصغر فكفله أحد أعمامه والذي جعله يرعى له أنشطة تجارته. وعندما بلغ محمد الأربعين، وفي أثناء بعض من خلواته التأملية بنار في مكة، هيط الملاك جبريل إليه وأمره أن يقرأ كلمات بذاتها أرسلت إليه من لدن الله، ثم أمره أن يعظ بأن الرب واحد وأن ينشر رسالته إلى القبائل الإقليمية، وإلى المجتمع الضال بمكة بما فيه من وثنية وما هو عليه من تعدد للآلهة. ولقد واصل محمد المسير لنشر تلك الرسالة وللتنديد بالهرم الاجتماعي الصارم وغير المنصف، وكذا التنديد بملامح عدم التوحيد في محيط الكعبة، وهي رمز سيادة سطوة مكة وأهمية تجارتها.>
ولعل الأهم هو كون محمد قد أوضح مبكرا أنه امتداد لمن سبقه من أنبياء الله