فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 377

بإشارات وبيانات عن حياته بجوانبها المتعددة، ولكن تبقى الإشكالية ذاتها التي واجهت معظم الملل السابقة، ومنها النصرانية: إلى أي مدى يمكن الركون إلى دقة وأمانة ما سطره مجابلو النبي بشأن سيرته، وما يخص أفعاله وأقواله؟ إذ تواتر نقل تلك الأفعال والأقوال على نحو شفاهي، ولم يتم جمعها أو تحليلها أو تقييمها منهجيا في شكل كتابي إلا بعد انقضاء ما يزيد عن قرن كامل من وفاة النبي محمد. وتتشابه تلك المهمة، بما اكتنفته من إشكالية، مع نظيرتها"المسيحية"الخاصة بجمع كل ما سطر عن حياة المسيح بغية تعيين أي الأناجيل يمكن الوثوق بها والارتكان لمصداقية ما تحويه ... وما يزال هذا الطرح حافلا بالجدل وتضارب الرؤى ويعوزه الحسم اللقضاء على ما يثيره من بلبلة وحيرة.

وفي حين لا تحيط"الحديث هالة القداسة التي تحيط"القرآن"، كون الأخير وحيا مباشرا من لدن الله، إلا أن الحديث يعد مصدرا بالغ الأهمية للتشريع الإسلامي بما يحويه من نصوص تتناول قضايا محددة وواضحة نشأت خلال مسيرة تطور الجماعة الإسلامية في بواكير تكوينها. كذلك، يقدم"الحديث دليلا هاما على كيفية إدراك النبي ذاته لما أوحي إليه وآلية تطبيقه في شتى المواقف. ولعل أوجه الشبه تتضح حين النظر إلى سؤال النماري اليوم:"ماذا عسي المسيح فاعلا في هذا الموقف أو ذاك؟".

إلا أن جماعات قليلة من المسلمين تذهب إلى أنه يتعين، لما القرآن من قداسة،

اعتباره المصدر الوحيد لفهم الإسلام، نظرا للطبيعة المتشعبة النصوص الحديث في شتي تناولاته، والذي تتباين درجات قوته ومصداقيته من حيث تطابق لفظه والإجماع بشأنه، وكذلك تبنى السلطات الأحاديث بعينها، دون غيرها، لتحقيق مأرب ما أو تسويغ فعل مزمع. ومن المثير ملاحظة ملمح الشبه والتوازني بين ذلك، وبين قاعدة الاحتكام الكتاب فحسب Sola Scriptura، والتي تبنتها حركات الإصلاح الديني المسيحي التي نبذت أرتالا من التاريخ الكنسي وما لحقه من زيادات وحواش، ورفضت الخضوع لأحكام المجالس الكنسية وغيرها، لما حداها من أمل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت