الخلافات العقدية شأنا ثيولوجيا فحسب، وإنما يكون لها خبايا ومضامين سياسية خطيرة. ويرمى كل من يخالف أيديولوجية الدولة أو دينها المسيس بالهرطقة، بل قد تضحي تلك المخالفة رديفا لخيانة الوطن.
إذا ... فما الهرطقة في واقع الأمر؟ إن"الهرطقة لتستدعي إلى الذاكرة مشاهد محاكم التفتيش، وأدوات التعذيب، والاعتراف بالذنب، وطلب المغفرة والشهداء، والحرق صلبا وهي المشاهد التي ارتبطت بالهرطقة على امتداد الزمن. بيد أنها قد نظر إليها، في غالب الأحوال، على أنها ظاهرة سيئة السمعة. وفي الحقيقة، فإنها موصولة بمنظومة ومسميرة إبداعية عبر تاريخ الأفكار وتطورها."
إن أصل كلمة"هرطقة في اليونانية ينطوي على معني خال من أي ارتباط سلبي أو سوء نية لصيق بالكلمة. فالهرطقة تعني الاختيار - أي القرار الواعي لاتباع مسار بعينه من مسارات الأفكار. أما في النصرانية، فقد بدأت الكلمة تشير إلى الانحراف عن التعاليم الأرثوذكسية، حيث لا يقصد بالأرثوذكسية، بالقطع، أكثر من"العقيدة الصائبة". ولكن، من ذا الذي يمكنه تعيين ما هو"صائبة أو ما هو تحق؟ ذلكم جوهر المشكلة: إذ تعتمد طبيعة"الهرطقة ومداها على من ينظر إليها. ويكون تحديد ما يندرج تحت العقيدة الصائبة امتيازا للسلطة وحكرا عليها."
وقد وجدت"الهرطقة منذ البدايات الأولي لمعظم الملل والعقائد، حين اتهم كل من ناهض وانتقد الأعراف المجتمعية السائدة بشأن الآلهة وطبيعة الروح - واعتبر مسئولا عن الكوارث التي حاقت بالمجتمع. وقد كان يتم نحر الضحايا على المذبح وقذف العذاري في البراكين الحارقة رغبة في استرضاء الآلهة. إن المصاعب والأخطار التي واجهها أنبياء العهد القديم تسلط الضوء على ما أدت إليه معاصي اليهود وأخطاؤهم من معاناة لهم، وكيف سيوقع الرب جزاءات إضافية بجماعة اليهود لاستهزائهم بوصاياه. فقد ألقي النبي يونس بن متى في البحر، ويشر المسيح بقرب نهاية هذا العالم الأثيم."